عن المطابقة في المنظومات القهرية!
مسألة النائب سعيد نفاع لم تعدّ مسألة حزب وأحد أعضائه القياديين في ضوء ما يتراكم من طبقات كلام فوقها. ولن آخذها هنا من باب تلك العلاقة التقنية بين حزب وبين عضو فيه تقوم في طبيعة الحال على نظام داخلي أو"اتفاقية" مكتوبة أو ضمنية. وسأقصر الحديث على مدلولات المسألة وتفاعلاتها في مستوى علاقة الحزب بجمهوره المفترض. فمهما حاول التجمع كحزب ومريدين أن يحصر الأمر في حدود "مخالفة" نفاع لنظام الحزب وقراراته، فإنه لا يستطيع أن يُخفي دلالات الحدث أو أن يحدّد للناس وأنا بينهم طريقة التعامل معه سيما أن الحزب كخاطب دائم لودّ الناس وأصواتها لا بدّ أن يقف من حين لحين أمام مساءلاتهم. وكالعادة فإن تعامل الوسط السياسي مع مسألة نفاع يكشف أبعادا أخرى في حياتنا العامة. على أي حال فإن ما يهمّني الإشارة إليه هو ما تعكسه هذه المسألة من تعامل للقوى الوطنية مع ما أسميته من قبل "المسألة الدرزية". يستطيع نفاع أو "التجمع" أن يُنكرا وجود بُعد كهذا في النقاش بينهما، لكن رشح ما يكفي من همس ومن كلام صريح يُفيد أن هذا البُعد قائم وربما كان "أصل الحكاية".
التجمّع كغيره من قوى وطنية سبقته وأعقبته سعى إلى كسب ودّ الطائفة الدرزية في إطار "مشروعه" السياسي وفي إطار الحراك الانتخابي. وهو ما تم التعارف عليه كأمر شرعي. أو إنه ينسجم مع رغبة القوى اليسارية والوطنية في الطائفة رؤية مجموعة انتمائهم "الصغرى" تنسجم وتتحرك ضمن دائرة انتمائهم الأوسع على ما فيها من قوى وأطر. إلا أن التجربة في "التجمّع" دلّت على أن ما يعني الحزب هو الشق الثاني من العلاقة، وهو الكسب الانتخابي. ومن هنا المقارنات (هل تذكرون البحث عن أنماط الانتخاب في القرية الدرزية للدكتور محمود محارب؟) بين أصوات حصل عليها "التجمّع" من المواطنين الدروز وبين تلك من مجموعات أخرى! إن مثل هذا التطوّر يضع علامة سؤال كبيرة حول الشقّ الأوّل من المسألة. والحقيقة أنني لم أتأخّر في طرح هذا السؤال إلى الآن لأني كنت طرحته في نقاشاتي مع نفاع نفسه وفي مرات كثيرة سابقة على "التجمّع" وغيره من أطر فاعلة. ولم أكن أحتاج إلى تطور مسألة النائب نفاع لأخلص إلى استنتاجات ملخّصها أن بعض القوى السياسية عندنا تعاملت مع المواطنين الدروز بشكل مطابق لتعامل السلطة معهم. وقد أتى هذا في إطار تشخيصي العام وهو أن الأحزاب التي ادعت تحرير الإنسان العربي هنا من سطوة مركز القوة اليهودي المعبر عنه بالسلطة وبالمؤسسات المرتبطة بها سعت في الوقت ذاته إلى إبقائه ضمن هيمنتها وأحيانا في مرمى قمعها وإجراءاتها مثل السلطة تماما. بل أن "التجمّع" بما في ذلك النائب نفاع، شوهد يناور بين الدروز لأغراض سياسية مرة لحشدهم بعيدا عن السلطة أو قربا من وليد جنبلاط أو بعيدا عنه، والآن بعيدا عن النائب نفاع نفسه. وللحقيقة فإن جنبلاط وإن تغيرت مواقفه أو شكل اصطفافه لا يزال قائدا بعيون الدروز وغير الدروز في لبنان وهنا! أما الإشارة السريعة من كتبة "التجمّع" إلى خلافات نفاع مع "لجنة التواصل، وأن اللجنة في جزء منها لا تزال تناصر التجمّع ـ أي ضد نفاع ـ فهي تذكّرنا بما تقوله السلطة دائما من أن غالبية الدروز في صفّها في كل مرة كنا نستأنف فيها على سياساتها أو تقع مواجهة بين الدروز وبينها! وبدا التجمّع في الأسابيع الأخيرة يبذل جهدا لا بأس به للتأليب ضد نفاع داخل الطائفة الدرزية، بعد أن كان بنى حوله من خلال استغلال "مورد" السفر إلى سوريا أو العلاقة بجنبلاط! وهو ما لم يفعله إطار حزبي من قبل بهذه التفاصيل وهذا التمادي.
في مستوى آخر أسهم التجمّع مع غيره من قوى في التستّر على هذا التعامل القهري بإنتاج بُنية سياسية كان على الدروز الوطنيين فيها أن يعلنوا ليل نهار ولاءهم للعروبة وأنهم "عرب أقحاح"، كجزء من مقتضيات العلاقة بين الدروز وسواهم من عرب. بل فرض عليهم الصمت القاطع فيما لو تعرّضوا لقمع أو ممارسات طائفية داخل الأطر الوطنية أو منها لئلا يُتهموا بالطائفية أو بإذكائها (هكذا أفهم امتناع غالبية الدروز في الأطر الوطنية عن إسماع أصواتهم في مثل هذه الحالات وغيرها)! وهنا برزت مطابقتان أخريان بين التجمّع ـ وليس وحده ـ وبين السلطة. فهي، أيضا، تطالب الدروز بالولاء وبالصمت إذا مورست ضدهم سياسات مسيئة وإلا اتهمتهم بالعروبة والتطرف وبالإجراءات! بمعنى، أن الدرزي الذي رفض هيمنة السلطة وسياساتها وناضل ضدها من منطلق التزامه الذاتي بقيم إنسانية مثل رفض الظلم ومناصرة الحق والعدل، ومن خلال وعيه لذاته ولانتمائه وتاريخه العربيين يجد نفسه ملزما بالدفاع عن نفسه أمام مجموعة انتمائه ذاتها مضطرا لتقديم تصريح مشفوع بالقسم "أنه عربي قحّ"! إنه مشهد لطالما نفرتُ منه وحذرتُ من المضي فيه لأنه ينطوي على إهانة مُضمرة للفرد المعنيّ وتشكيك ضمني بالجماعة التي ينتمي إليها، ويُفقد السياسة كل بُعد أخلاقي ويمنع كل تحوّل مأمول. والأسوأ أن ممارسة الإطار "الوطنية" في مثل هذه الحالة تنطوي على تأشير مفاده أن الإطار الذي أصدر "جواز السفر" الوطني للشخص المعنيّ يستطيع سحبه! (في السلطة ويمينها مَن يُطالب بسحب الجنسية من هذا القائد أو ذاك ـ مطابقة أخرى لافتة). وهكذا تصير الوطنية "صكوك غفران" ممنوحة على "حسن السلوك" و"الطريق السوية"! ومن هنا ادعائي في أكثر من مرة أن "التجمّع" أخطأ خطأ قاتلا في سعيه إلى بناء الهوية العربية هنا من جديد لأنه أخذها إلى تشدّد وانغلاق وشوفينية. وهو ما يُنتج بالضرورة منظومات قهر وإقصاء داخلية. هكذا يكون سير الأمور في "الهوية القلعة". كما أنه، على غرار أطر سبقته وأعقبته، عزّز الطائفية وركبها أو نزل عنها وذمّها وفق المصالح الجارية. وفي مثل هذه الحالة تدفع المجموعات الصغيرة ذات الخصوصية في المجموعة الكبيرة ثمنا باهظا على كل مستوى. لأنها ستضطر في لعبة "الهوية القلعة" أن تُثبت "هويتها" هي كأفضل المدافعين عن القلعة. وأعتقد أن النائب نفاع فعل ذلك كغيره ونام على الجدار من أجل غيره في "التجمّع" ليجد نفسه الآن مقصيا ومنبوذا ربما لأنه تجرأ وخطا خطوة أو خطوتين خارج مدى الحزب أو أحد قادته! ولا تعدم الذاكرة الفردية ولا الجمعية حالات إقصاء لشخصيات درزية قامت بها السلطة لأن هذه الشخصيات حادت عن خطها أو انتقدتها والنائب السابق أسعد أسعد مثال واحد لذلك! أليس في هذا مطابقة، أيضا؟
صوّر "التجمّع" اللقاء الأخير بين نفاع وبين وليد جنبلاط كسبب مباشر لاتخاذه قرار الفصل بحقّ نفاع. وفي إطار الهجوم على نفاع لم يسلم جنبلاط، أيضا. هذا علما بأن التجمّع نفسه استقتل في توزيع ملصقات تحمل صور جنبلاط وبشارة في إطار الدعاية الانتخابية في أكثر من جولة. كما أن مؤسس "التجمّع" جاهد أكثر من مرة للقاء جنبلاط والجلوس إلى مائدته والتقاط الصور معه ثم انبرى يهمس أو يتندّر حول الأمر! إنها تجليات لمباذل السياسة وبُؤسها. فاللقاء مع جنبلاط يأتي في الإطار نفسه الذي حدّده "التجمّع" نفسه من قبل بواسطة النائب نفاع نفسه، وفي إطار الرؤية نفسها. لكن ما دام "التجمّع" على خلاف مع نفاع فيجوز التنكّر ليس فقط لنفاع بل لما أرساه الحزب، أيضا! وعلى النهج ذاته من بؤس السياسة ذاتها أن الإجراء الحزبي الإقصائي ضد نفاع تزامن مع المستشار القضائي للحكومة إجراء قضائيا ضده، وهي صورة واضحة التفاصيل لحال الطائفة الدرزية التي تتعرّض لسياسات التمييز والقهر من السلطة وللإقصاء والإبعاد من مجموعتها العربية! وقد قال أبناء عمومتنا في هذا ما معناه "مع أصدقاء أو رفاق كهؤلاء لا يكون المرء بحاجة إلى أعداء"!
قد يُخطئ "التجمّع" أو يُصيب، وهو أمر يهمّه، أما أن يظلّ تعامله وتعامل غيره من قوى عربية هنا على هذا النحو مع الدروز كمجموعة ذات خصوصية، فأمر يهمني كجزء من اهتمامي برفض القهر واستنساخاته فينا! أنقذوا الدروز من هذه الوطنية المسيئة لهم ولإمكانيات أن يستعيدوا عافيتهم الهويتية التي أنهكتها سياسات السلطة وحركة التاريخ. لقد جرّهم مركز القوة اليهودي إليه لأنه طوّر خصوصيتهم إلى مرتبة الهوية المغلقة، وأخفقت القوى العربية معهم لأنها ألغت خصوصيتهم في إطار بناء الهوية وألزمتهم بالتنكّر لها! وأخيرا، إذا كنّا نقول دائما أن سياسات الدولة اليهودية تجاه الأقلية العربية الأصلانية هو امتحان لصدقية هذه الدولة فإن تعامل المجموعة العربية مع مجموعات أصغر فيها، وبضمنها الدروز، هو الامتحان الأخلاقي للأقلية وقياداتها وأحزابها! كنّا نُكبنا بنسق التستّر بمقارعة السلطة أو مواجهة سياساتها، وفاض الكلام الوطني عن حدود شروطنا لدى البعض، ليُخفي عنفا داخليا وتفننا في ممارسة القهر بامتياز. وأظن مسألة النائب نفاع حالة من هذه الحالات.