كان يا مكانفي قديم الزمان، في قرية عربية تقع علىسفح جبل المغر. هواءها منعش، تلتقي أعاليهامع قبة السماء الصافية الخالية من الغيومالسوداء.
عاشت في إحدىالحارات الفقيرة في هذه القرية، صبية جميلةجدا ممشوقة القوام، سمراء مثل حبة التينالعسلية، تشع منه الحرارة والشقاوة وطيبةالقلب وعلى شفتيها مرسومة ابتسامة جميلةلا تفارقها أبدا، نشيطة تعمل ليلاً ونهاراً،تنظف البيت وتغسل الملابس، وتكنس الدار،وتسقي الزرع وتذهب إلى الحقل لتحويش الأعشابالصالحة للطبخ وأخرى طعاما للحيوانات،وتعتني بوالديها العاجزين، تطعمهما وتغسلهماوتحضر لهما الطعام، وتجلس معهما لتحادثهماوتسليهما لتنسيهما همومهما.
أسم هذه الصبية"فايقة"، وكان لها أخ واحد، تعتنيبه وتنفق عليه ما استطاعت، واعتنت أيضابتربية بضع حيوانات بيتية في حظيرتها: بقرةوعنزتين، وبضع دجاجات وحمار، وقامت "فايقة" ببيع البيض والحليب.
أصبحت الحياةفي القرية صعبة جدا، إذ لم تسقط الأمطارلمدة سنتين، فلم تنبت الأعشاب والزهورفي الحقول، ولم تجد الأبقار والماعز حشيشاتأكله وحتى دجاجات "فايقة" أعطت بيضاقليلا لا يكفي لأهل بيتها.
لم يعد يقطفالأطفال زهور البرقوق وعصا الراعي والصفير،ورأس البقرة مثلما اعتادوا في الماضي. باختصارلم تعطي الأرض من خيراتها لأهل القرية المساكين.
غطت سماء القريةغيوم من الحزن ، فالعصافير هاجرت إلى أماكنبعيدة، تبحث عن بيت جديد، بعد أن اعتادتإيقاظ سكان القرية كل يوم على صوت صدحها.
لم ينبت ما زرعهالفلاحون من قمح وبصل وشعير وغيره، بسببالجفاف، فجفت آبار المياه ، و ماتت كثيرمن الحيوانات.
أما عجائز القرية: أم لطفي وأم درويش وأم إبراهيم، فقد جلسنيندبن الوضع الذي لم يعد يطاق، فها هي أملطفي تشتم وتلعن أولادها وأم درويش حزينةتبكي عنزتها الشامية التي ماتت لقلة الطعام،وأم إبراهيم ذهبت إلى دار أهلها لان أباإبراهيم ترك العمل في الحقل، ويقضي وقتهفي البيت حزينا.
نظرت "فايقة" بحزن إلى القرية الجميلة والى أهلها الحزانى. فكرت قليلا وقالت لنفسها: يجب أن ابحث عنعمل في المدينة، فالوضع هنا لا يطاق ولايستطيع احد أن يساعد الآخر.. سأجد عملا ارتزقمنه من اجل أبي وأمي وأخي ، يجب أن احضرلهم المال ليشتروا طعاما لهم ولحيواناتهم.
تركت "فايقة" أهلها وأقاربها وأخيها الذي حل محلها فيالاعتناء بوالديهما، تركت القرية الجبليةالتي تحبها وجبل ألمغر العالي.
سافرت إلى المدينةالكبيرة التي لا تنام، حيث الأنوار المضيئةوالحوانيت الكثيرة، والملابس الفاخرة،والحلويات اللذيذة بأشكالها المختلفةعلى جنبات الطرق.
لم تعرف "فايقة" أحدا في المدينة، مشت في الشوارع كئيبةلأنها لم تعتد العيش بعيد عن أهلها، فيالمدينة لا أصدقاء لها كما هو الحال فيالقرية. بحثت عن عمل ليلا نهارا سائلة كلشخص تصادفه، سألت أصحاب الحوانيت، طرقتأبواب البيوت لتشتغل في التنظيف، بحثتكثيرا إلى أن وجدت عملا في مصنع الشوكلاطة. فرحت "فايقة" بعملها الجديد. واشتغلتثماني ساعات كل يوم، وتنام في ساعات الليللتريح جسمها التعبان.
مضت أيام وتلتهاشهور و"فايقة" على نفس الحال، تعملوتبعث بجزء كبير مما تكسبه من مال إلى أهلهافي القرية.. ولأن الوضع في بيتها تحسن، قامتأم لطفي وأم درويش وأم إبراهيم بإرسال أولادهنللعمل في المدينة وآخرون عملوا مثلهم،وهكذا تحسن حالهم أيضا فوجدوا طعاما لأنفسهم،منتظرين سقوط المطر.
أتمت "فايقة" واجبها وجلبت لأهلها السعادة، الآن جاءدورها لتسعد بنفسها، خاصة بعد أن تعرفتعلى شاب وسيم، في نفس سنها، يعمل معها فيالمصنع، بهي الطلعة، جميل الهيئة وشقاوةأبناء القرى، تفوح من عينيه الواسعتينالبنيتين، وكان اسمه "نعسان"، جاءمن قريته البعيدة، إلى المدينة ليعمل ويعيلأمه العجوز التي تركها برعاية شقيقتها.
لم يعثر هذاالشاب في قريته على حبيبة يحبها من كل قلبهويتزوجها، يعمل لأجلها ليل نهار ليقدملها أطيب الأطعمة ويشتري لها أجمل الهداياوأحلى الملابس وتكون أما لأولاده وشريكةحياته في السراء والضراء.
من هنا يا أحبائيالصغار بدأت قصة "فايقة" الحلوة والشابالجميل "نعسان". ففي المدينة الكبيرةالتقى الغريبان، أحب "نعسان" "فايقة"،و"فايقة" أحبت "نعسان"، تزوجاوأقاما حفل في قرية "نعسان" وحضر أهل"فايقة" من قريتهم البعيدة يركبونعلى الحمير.
قررا "فايقة" و"نعسان" السكن معا في المدينة، بالقربمن مكان عملهما في المصنع.
كان "فايقة" و"نعسان" يعودان من العمل في ساعاتالمساء، وتقوم "فايقة" بتحضير الطعام،وفي ساعات المساء تطبخ وتغسل وتكنس وتجلي،و"نعسان" زوجها وحبيبها يستلقي علىالسرير يقرأ كتاب لمحو الأمية. كان يقضيأغلب أوقاته بعد إنهاء عمله نائما أو مستلقيا.
كانت "فايقة" تنهي عملها المنزلي وتذهب إلى السرير لتنامبجانب زوجها، لتحتضنه وتقبله وتنام بينذراعيه، لكنها للأسف كانت تبقى حزينة والدمعةتترقرق في عينيها، إذ تجده نائما على ظهرهكملاك طاهر، خال البال من كل المتاعب والمشاكلفلا ترضى أن تزعجه.
كانت "فايقة" كالنار الملتهبة نشيطة تحب أن ترقص، وتغني،لا تهدأ ولا تنام، تريد أن تملأ الدنياحبا. كانت تحاول أن توقظه من نومه بقبلاتهاومداعبتها، إلا أن محاولاتها كانت تفشلويظل "نعسان" زوجها غارقا في نومه. عندها تنطفئ الحرارة في داخلها، فتحزنوتكتفي بضمه إلى صدرها وتقول بينها وبيننفسها: