 |
|
شفاعمريون
|
|
اعداد: وليد ياسين
نكرس هذا الباب لأبناء شفاعمرو الذين تعتز بهم وبما حققوه في شتى المجالات وعلى كافة الحلبات محلياً، عربياً ودولياً، وكذلك للشخصيات الشفاعمرية التي شغلت مناصب رسمية في المدينة أو ساهمت في اعلاء شأنها في مختلف المجالات، وأيضا لشخصيات ارتبط اسمها بشفاعمرو على مر العصور.
|
|
حكيم شفاعمرو الدكتور موفق محمد علي دياب
1918 -2008
|

ولد طيب الذكر الدكتور موفق محمد علي دياب في بيروت في الأول من أيار سنة 1918، وكانت والدته شامية الأصل من عائلة "صفدي". شارك في صباه في الحرب ضد الاستعمار الفرنسي لموطنه لبنان. ودرس الطب وحين طلب إليه الحضور إلى فلسطين للمساهمة في إنقاذ مرضاها، في وقت عز فيه الطب والدواء، تخلى عن حلمه بالتخصص في مجال الأمراض النسائية المعدية، ترك وطنه واعز الناس إليه، وهجر مربع طفولته قادما إلى فلسطين ملبيا نداء دم العروبة، فعاش بيننا ومات بيننا، ابنا بارا لشفاعمرو ولكثير من القرى العربية في الجليل التي خدم أهلها بمحبة وإخلاص لا يعرف الحدود.
درس الطّب في الجامعة الطبية الفرنسية. وعمل ابتداء من سنة 1943 مساعدا للأطباء في المستشفى الفرنسي في بيروت. وعندما تخرج في العام 1945، متخصصا في التخدير للعمليات الجراحية، أصبح مسؤولا عن قسم الأمراض النسائية المعدية والتخدير في العمليات الجراحية في المستشفى، وكان ينوي استكمال تخصصه في الأمراض النسائية المعدية، لكنه تخلى عن هذا الحلم حين جاءه نداء الواجب الوطني بالحضور إلى فلسطين. ويروي الراحل في سيرة مقتضبة دونها بيده لمجلة "الرابطة" انه في آب 1946 زاره في بيروت وفد من فلسطين ضم أطباء وشخصيات مرموقة، بينهم الدكتور عمر الخليل من حيفا، والقاضي محمد العباسي ألبرادعي ورئيس لجنة اليتيم العربي، والمرحوم موسى العلمي من القدس، مع بعض أصدقاء والده المرحوم من عائلتي بيضون والميقاتي. وإثناء الزيارة عرضوا عليه الحضور إلى فلسطين لتنظيم المشروع الطبي لجمعية انعاش القرية العربية في حيفا التي كانت تدير عدة أقسام وفروع في فلسطين منها القسم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والطبي.
وقد تردد الدكتور موفق في البداية، ورفض الطلب بحجة وظيفته الجديدة في المستشفى الفرنسي، ورغبته باستكمال تخصصه الطبي. لكن الوفد لم يتنازل عن الفكرة. وفي اليوم التالي دعاه أعضاء الوفد لتناول العشاء معهم في شاغور شلالات حماتا وأعادوا طرح الطلب عليه قائلين "إن في بيروت مئات الأطباء مثلك يا موفق، وعندنا في فلسطين بحاجة ماسة إليك، فالوضع الطبي في القرى محزن ومخز ومتأخر للغاية، الطرق صعبة والمرضى من الأطفال والكبار يموتون لعدم وجود عيادات وعناية طبية، وهذا واجب مقدس يدعوك للقيام بهذا المشروع الإنساني". وأمام إصرار الوفد تحمس الدكتور موفق ووافق على تلبية الدعوة في سبيل الواجب الإنساني العربي.
في تشرين الأول من العام ذاته، حمل الدكتور موفق متاعه وسافر إلى حيفا، ومكث بضعة أيام في فندق نصار في شارع الملوك في حيفا. ومن ثم عقد جلستين مع أعضاء جمعية إنعاش القرية العربية في عيادة عمر الخليل ويوسف يحيى التي كانت تقوم في شارع ستانتون. وبعد عدة أسابيع عقدت جلسة للجمعية حضرها موسى العلمي ومحمد عباسي، ورئيس جمعية اليتيم العربي، و رئيس بلدية شفاعمرو جبور جبور. وتداول الحضور في المكان الذي ستقام فيه العيادة، وتقرر أن يكون مركزها في صفورية، لكن جبور جبور أصر على أن يكون المركز الطبي في شفاعمرو، وهدد بالاستقالة من الجمعية إذا لم يستجاب طلبه، فكان له ما أراد.
في 1.1. 1947، وصل الطبيب اللبناني الى شفاعمرو، البلدة الصغيرة التي كان يسكنها قرابة 3600 نسمة انذاك، وكان اهلها منهمكون بموسم قطاف وعصر الزيتون. وباشر الطبيب عمله في دار سالم عبود الجديدة في ظروف صعبة جداً، تفاقمت بعد أيام من وصوله إلى شفاعمرو حين ظهرت بعض الأمراض الصعبة والخطيرة، ومنها إسهال الأطفال والنزلة الصدرية والالتهابات في المسالك البولية، ومرض الجدري. وانهمك الطبيب في عمله، يواجه عشرات الحالات يوميا، ويعمل لساعات طويلة، لا يعرف طعما للراحة. ورغم كل المصاعب لم يشعر الطبيب بالغربة والعناء، فطيبة الناس واحترامهم له، كما يشهد في سيرته المقتضبة، خفف من المصاعب وأشعره بأنه يعيش في بيته وبين أهله. وهكذا كان وسيبقى في ذاكرة الشفاعمريين.
في تلك الأيام، كما كتب الدكتور موفق، كانت الكشفية الطبية تساوي عشرة قروش أو بالدين، أما الفقير فكانت كشفيته لوجه الله تعالى.
مع بدء عمله في شفاعمرو، افتتحت الجمعية عدة عيادات طبية في دالية الكرمل واجزم والطنطورة وابطن، وكان الدكتور موفق يتنقل بينها من وقت لآخر، فيما كان يعد لافتتاح عيادة أخرى في قرية صفورية.
وفي عام 1954 تمّ افتتاح عيادة في دير راهبات الناصرة في شفاعمرو، فتطوع الدكتور موفق للعمل فيها كل يوم اربعاء، متبرعًا بما يتم تحصيله من دخل مادي لتطوير الدير وخدماته. وواصل التطوع في العيادة حتى عام 1970 حين أوقفت إدارة الدّير العمل في العيادة.
مع دخول العام 1948 اشتد اوار الصراع العربي – اليهودي، في فلسطين، مع اقتراب موعد الانسحاب الرسمي للجيوش البريطانية. وفي 14 تموز سقطت شفاعمرو، ورحل من رحل من أهلها الذين طردهم الغزاة من بيوتهم، وبقي الدكتور موفق يكافح وحيدا، في منطقة تمتد من حدود الرامة مرورا بعرابة وسخنين وصولا الى شفاعمرو والمجمعات البدوية في ضواحيها. وخلال المواجهات في شفاعمرو ومنطقتها، سارع الى انشاء مراكز للاسعاف ومستشفى ميدانيا في مدرسة الحكومة (المكتب) لمعالجة المصابين في المعارك.
في ايلول عام 1948 طلب منه الصليب الاحمر الدولي التطوع معه، فلبى النداء وتمكن من خلال عمله من ايصال المواد الغذائية والملابس والكثير من الأدوية الى المحتاجين، كما كان مرسالا بين الاهل والمشردين، يحمل اليهم ومنهم ما تيسر من الاخبار لطمأنتهم. وقد بقي في خدمة الصليب الاحمر حتى انتهاء مهمته في البلاد في العام 1951.
وكان الدكتور موفق قد اتخذ من منزله مقرا لعمل الصليب الأحمر في شفاعمرو، لكنه ولكثرة الوافدين اليه تقرر نقل المقر إلى دير راهبات الناصرة. وأثناء تطوعه في الصليب الأحمر، حاول اليهود طرده من البلاد، فلما علمت الأخت كوشو، إحدى راهبات الدير، بالأمر، سارعت إلى إحضار قطعة قماش ورسمت عليها صليباً بلون أحمر، وقالت للجنود اليهود إن هذا الدّكتور يعمل لدى الصليب الأحمر فأنقذته من الترحيل.
كان الدكتور موفق يعمل على مدار الساعة وكانت ساعات العمل تمتد أحيانا إلى 20 ساعة يوميا، يتنقل خلالها من قرية إلى قرية على الحصان أو الحمار، لإسعاف المرضى وإجراء عمليات توليد صعبة وخطيرة لعدم وجود مستشفيات في المنطقة. كان يتنقل في الوعر، يصعد إلى الجبال، وينزل إلى الوديان، في طريقه لمعالجة مرضاه، لا تردعه مصاعب الطرق ولا شقاء السفر، يتحمل حرارة الصيف وبرد الشتاء، يواجه الخطر وكل ذلك يهون عنده في سبيل إنقاذ حياة مرضاه.
أما عيادته فكانت كمزارات الأولياء، تعج بالزائرين من مختلف القرى، لأنه كان الطبيب الوحيد في المنطقة، أولا، ولأن الناس وثقوا به وما كانوا يرضون بأي طبيب بديل. ويروي الدكتور سمير معمر من الناصرة، انه حين كان يلبي طلب الدكتور موفق لاستبداله في العيادة، كان يصل إليها، فيجدها كالعادة تعج بالمرضى والمراجعين، وبمجرد أن يعرفوا بأن الدكتور موفق لن يحضر في ذلك اليوم، كان الكثير منهم يحملون أنفسهم ويغادرون العيادة، ليعودوا إليها فقط حين يداوم فيها طبيبهم الوحيد. ويؤكد ذلك، الدكتور يوسف عوادية الذي كان هو الآخر يستبدل الدكتور موفق في عيادته، فكان المرضى يترددون في دخول العيادة ويقولون له: "يكفي رؤية وجه الدكتور موفق فنشعر بالشفاء".
حاول إحضار السلاح لإنقاذ شفاعمرو
لم تتوقف خدمات الدكتور موفق لأهالي شفاعمرو على الجانب الطبي، بل تجند في محاولة لإحضار السلاح والمتطوعين لدعم المجاهدين في معركة هوشة وبعدها. وكثيرا ما طاف قرى الجليل طالبا النجدة أبان معركة هوشة، كما سافر الى لبنان بسيارته ومعه رئيس البلدية، آنذاك جبور جبور، في محاولة لإحضار بعض قطع السلاح للدفاع عن شفاعمرو. ويروي ذلك في مقابلة صحفية* فيقول: "بعد وقوع معركة "هوشة" خشي السيد جبور جبور رئيس بلدية شفاعمرو في تلك الحقبة، سقوط شفاعمرو، فاستدعاني للتشاور. وعندما كنت في بيته، دخل عليه شخص يدعى أبو غازي، فقال لجبور: "اليهود سيحتلون شفاعمرو، منسلّم والا منقاوم"؟. ولم يكن في تلك الفترة لدى سكان شفاعمرو سلاح، فقال له جبور: "قاوم". ثم يحكي الراحل عن ذلك القائد في الجيش العربي الذي حضر إلى شفاعمرو، ثم صعد مع رئيس البلدية والدكتور موفق إلى قلعة الظاهر عمر وقال لهما: "لا داعي للقلق، إذا وضعتم هنا مدفعا واحدا يكفي لحماية البلد"!
وطلب الدكتور موفق من رئيس البلدية أن يأذن له بالذهاب إلى لبنان، لالتقاء معارف وأصدقاء من الضباط على أمل أن يساعدوه بتجنيد السلاح والمدافع. فسافرا معا إلى بيروت، ومن هناك واصل الدكتور موفق وحيدا إلى الشام وقابل ضابطا في الجيش كان يعرفه. ويروي الدكتور موفق كيف خذله ذلك الضابط، وهي حكاية ربما تعكس حالة اليأس التي أصابت الشفاعمريين وغيرهم من أهالي فلسطين إزاء إمكانية مساعدة العرب لهم على مواجهة الاحتلال. ويقول: "طلبت منه (من الضابط السوري) المساعدة لإنقاذ شفاعمرو، فأعلمني أن صفوت باشا الهاشمي سيحضر بعد قليل، وطلب مني أن أقابله واطرح الموضوع أمامه. وطلبت منه عشرة جنود ومدفعا، ففوجئت به يقول لي: دكتور موفق مد يدك! ففتحت راحة يدي، وإذ به يمد إصبعه الوسطى وقال: هذا مدفع، اثنان، ثلاثة". ذهلت، خرجت وطرقت الباب خلفي، فتبعني صديقي الكولونيل قائلاً: "هؤلاء العراقيون عرصات!"، أما أنا فعدت مهرولا إلى بيروت، هب أبو الياس (جبور جبور) غالى ملاقاتي سائلا: "قمحة ولا شعيرة"، فقلت له: "أبو الياس هات يدك، هذا مدفع، اثنين، ثلاثة"، وأعدت حركة الهاشمي."
المستشفى وملجأ عسفيا
في اوائل سنة 1960، طرحت فكرة اقامة مستشفى في شفاعمرو، عرضها رئيس مستشفى العائلة المقدسة في الناصرة على رئيس البلدية جبور جبور، وتجند المطران حكيم لتنفيذ الفكرة، وكان الدكتور موفق ذياب من بين الذين عملوا من اجل تحقيقها، وبعد إقناع المطران للفاتيكان بالفكرة، وتجنيد تبرعات من الولايات المتحدة، اعدت الخرائط وبدء بتنفيذ المشروع واستكمل البناء، الا انه كان هناك من قضى على الحلم حين وافق على تحويل المبنى الى مدرسة ثانوية. وكانت وزارة الصحة وراء افشال هذا الحلم الشفاعمري بما طرحته من عراقيل وشروط تعجيزية امام المشروع، كما روى الراحل في لقاء صحفي**.
في عام 1973 تلقى الدكتور موفق اتصالا من الارشمنديت سلوم من مطرانية حيفا يطلب منه المساعدة في إيجاد طبيب للعمل في ملجأ "بيت الأخوة" الذي أقامته مطرانية الروم الكاثوليك في عسفيا. وفي الاسبوع ذاته زار شفاعمرو سيادة المطران يوسف ريا، الذي عين خلفا للمطران حكيم. وتحدث المطران مع الدكتور موفق حول ملجأ عسفيا، وضرورة إيجاد طبيب للعمل فيه براتب متواضع. وبعد أسبوع توجه الدكتور موفق لزيارة الملجأ وتفقد غرف العجزة المقيمين فيه، ووقف على الخدمات الإنسانية التي تقدمها راهبات المحبة ومتطوعات أجنبيات للنزلاء المسيحيين والدروز والمسلمين، وقد شده المشهد الإنساني، فاتصل بالمطران سلوم وابلغه انه وجد لهم طبيبا للملجأ ولكن شرطه الوحيد هو أن يعمل متطوعا. وأبلغه أن هذا الطبيب هو نفسه الدكتور موفق دياب.
بعد أسبوع بدأ بزيارة الملجأ كل يوم أربعاء، في ساعات بعد الظهر، لتقديم العلاج والإرشادات الطبية، إضافة الى انه كان يقدم ما يتطلب من إرشادات طارئة للراهبات عبر الهاتف. وواصل الدكتور موفق تطوعه في الملجأ مدة 16 عاما، اضطر بعدها إلى الاستقالة بسبب وضعه الصحي.
كما عمل الراحل على تأسيس الجمعية الطبية في الناصرة ومقرها في المستشفى الانجليزي، وأسس في الستينيات جمعية مكافحة مرض السل، الذي تفشى آنذاك.
نبع الحنان
كان طيب الذكر إنسانا معطاء، محبا لكل الناس، لا يفرق بين دين وآخر، لأنه يؤمن أن الدين لله وحده والله واحد للجميع، ومن هذا المنطلق لم يعارض الزواج المختلط في عائلته، بل باركه بكل محبة.
ويشهد أهل بيته انه كان نبعا من الحنان والمحبة، نهر من العطاء والمودة، وحين كان يجد ولو لحظات قليلة من الراحة، كانت أنامله تداعب البيانو أو الكمان أو العود، بلمسات ساحرة تماما كما تعودت مداعبة جسد مريض يحتاج إلى العناية والرعاية والمعاملة الإنسانية. وقد غرس حب الموسيقى في أولاده وأحفاده، وشكلوا معا ذلك الكونسيرت العائلي الذي حين كان يجتمع كانت الموسيقى تصدح في أرجاء البيت، فتتراقص الجدران طربا.
كان يحب رحلات الصيد ويستمتع كل من رافقه فيها بطرائفه وحكاياته التي كانت تسبر أغوار النفس بعذوبتها تماما كما كان في مهنته، يتقرب من المريض فيتخذ منه صديقا يرتاح إليه قبل أن يكون له الطبيب.
تقديرا لجهوده ولعطائه من اجل شفاعمرو قرر المجلس البلدي منحه وسام عزيز شفاعمرو، كما حصل على درع تقديري من وزارة العمل والرفاه الاجتماعي، وكان ذلك في العام 1996.
في الاول من نيسان 2008، وقبل شهر بالتمام من إطفائه للشمعة الـ90 من عمره، رحل الدكتور موفق دياب عن الدنيا فودعته شفاعمرو ووفود غفيرة من المدن والقرى العربية من الجليل حتى الكرمل، بعيون دامعة.
وفي 26 ايار 2008، قرر المجلس البلدي تبني اقتراح لجنة التسميات تكريم الدكتور موفق من خلال إطلاق اسمه على المدخل الغربي للمدينة، تحديدا على المقطع الممتد من الجسر، في الناعمة، وحتى دوار مدرسة عمال في حي العين.
كما تم تكريم الراحل في حفل تأبيني كبير اقيم في الثامن عشر من حزيران 2008، وتم خلاله توزيع كتاب الرثاء الخاص الذي أصدرته عائلة الفقيد تحت عنوان "الحكيم".
* في مقابلة أجراها عفيف شليوط ونشرت في "الصنارة" في 26 ايار 2000.
** في مقابلة أجراها احمد حمدي ونشرت في "الاتحاد" في 10تشرين الثاني1995
من كتاب يجري اعداده حول شخصيات من مدينة شفاعمرو الفلسطينية©2010