الروائية السورية الكبيرة لينا هويان الحسن في ضيافة الفجر
19/2/2015 19:26

  حاورها: أحمد لطفي

هي لينا القادمة من بادية الشامّ المعطّرة برمال العروبة والشموخ، لينا الّتي كسرت كلّ القوالب المألوفة في الكتابة، فكان لرواياتها لون خاصّ ونكهة شرقية فريدة، عرفتها من خلال "ألماس ونساء" ولا أنكر أنّني بقيت مشدوهًا لفترة أسترجع ما مرّ بي من سحر مطلسم لم أملك منه فكاكًا أثناء انغماسي بين سطور ما كتبت، فتخيّلت أنفاسي الملتهبة سفينة، تبحر في نهر الفرات لتبحث عن جزر مسحورة نسجتها لينا بقلمها لتكون رواياتٍ شامية تأسر القلوب وتسحرها لتبقى أسيرة النهايات الّتي لا تنتهي. وكم كانت سعادتي جليّة عندما سنحت لي هذه الفرصة الرائعة لمقابلة كاتبتنا السورية المتألّقة لينا هويان الحسن*...
بداية نرحّب بكاتبتنا الشابّة المتألّقة عبر صفحات صحيفة الفجر الساطع ولعلّنا سنطلب منكِ بداية أن تحدّثي قراءنا عن لينا هويان الحسن من خلال هذه الأسئلة الموجزة:

الفجرالساطع:متى كانت البداية؟
مع روايتي الإولى "معشوقة الشمس" صدرت في عام1998-كنت وقتها لم أزل طالبة على مقاعد الدراسة الجامعية، أدرس الفلسفة. في تلك الرواية تناولت حياة أمير قبيلة بدوية تجول في البادية الشامية، كان لحياته منعطفات قدرية غريبة، فكتبت الرواية على ضوء أحداث حياة ذلك الأمير، يمكنني القول أني تمرنت على الأدب من خلال عدة أعمال مبكرة لم تسجل نجاحًا يُذكر.

الفجرالساطع:كيف أثّرت البادية على أعمالكِ؟
شكلت قوام تجربتي الأدبية، النسغ الحقيقي لمشر وعي الروائي، رغم أنني مؤخرا كتبت روايتين عن المجتمع الحضري والبرجوازي الدمشقي.لكن بحكم انتمائي القبلي، وحياتي النصف حضرية والنصف بدوية اكتسبت ذاكرتين، حضرية ومدنية وبالتالي انقسم أدبي إلى صحراوي ومديني.

الفجر الساطع: النساء تحتلّ مساحات شاسعة من رواياتك، كما تحتلّ الصحاري جلّ مساحات البلاد العربية! ما هي علاقة المرأة بالصحراء؟
المرأة كما الصحراء غامضة سرابية شاسعة المساحات والأمداء، وامرأة الصحراء أكثر شجاعة في التعبير عن عاطفتها مقارنة بامرأة المدينة. المرأة في الصحراء تحب وتنفعل وتدافع عن عواطفها بكل ما أوتيت من أسلحة تعلمتها من الطبيعة، وقد ذكرتُ مرارا القدرات السحرية التي تمتلكها المرأة في البادية.

الفجر الساطع: في رواية ألماس ونساء تظهر كاتبتنا ثقافة تاريخية واسعة. كيف سخّرت لينا التاريخ في عرض الاضطهاد الذكوري في عالمنا العربيّ؟
كل ما علينا أن نفعله: أن نقرأ التاريخ، رغم تعدد مصادرة وتنوع موارده لكنه عالم حقيقي رغم وجود الزيف والتحريف في بدنه، لكن قارئ التاريخ الحقيقي والمجتهد سرعان مايمتلك عينا ثاقبة تقرأ ما بين السطور. كل ما فعلته أني بذلت جهدا كبيرا في تقصي التاريخ، وتحديدا  وضع المرأة آنذاك، ساعات طويلة قضيتها بين غبار الدوريات القديمة الصادرة في المهجر السوري-اللبناني- أيضا الدوريات الصادرة في دمشق وبيروت والقاهرة، كتاباتي ثمرة لجهد وصبر في تصفح التاريخ.

الفجر الساطع: ما هو شعوركِ ببلوغ "ألماس ونساء" مرحلة متقدّمة في جائزة البوكر للرواية العربية؟
سعدت بوصول روايتي ألماس ونساء للقائمة القصيرة، كل كاتب مهما ترفع عن الجوائز فإنه يفرح بالتقدير والاعتراف. 

الفجر الساطع :هل في تعدّد الديانات والأعراق في الرواية رسالة معيّنة أردتِ إيصالها للقارئ؟
إن لم يأخذ الادب على عاتقه أن يكون رسالة حقيقية تخاطب عقول البشر فإن كل شرعيته ستنهار. إن لم نتوصل إلى العيش في ظل عقليات تتقبل التعدديات الدينية وغير الدينية كالعلمانية مثلا، سيتربص بنا مصير أسود حالك.

الفجر الساطع :هناك من يدّعي أنّ رواية "نازك خانم" جاءت لتعبّر عن تصوّر الكاتبة للأحداث المؤلمة الّتي تشهدها سوريا اليوم! ماذا تقولين في ذلك؟
كل مافعلته في هذه الرواية أني طرحت نموذجا صارخا من الأنوثة التي تعيش التحرر الحقيقي بعيدا عن الشعارات، امرأة حقيقية أرادت أن تأخذ كامل حقها في الحياة. غيرت مكان اقامتها لخاطر ذلك، لكن مجتمعاتنا المتمسكة بعفن التقاليد البالية قتلت نازك خانم، والتطرف الديني بالذات، وهذا مايحدث الآن! التطرف الديني يحاول اغتيال كل شكل من أشكال الحرية.

الفجر الساطع :في رواية "سلطانات الرمل" الرائعة تتعاملين مع بيئة قاسية بمفاهيم رقيقة جدًا! كيف تمكّنتِ من إذابة قساوة الصحراء بأحاديث الحبّ الرقيقة؟
الصحراء هي موطن أجمل مانُطِقَ به باللغة العربية، أليست بيئة امرئ القيس وعمرو بن كلثوم وعدد هائل من الشعراء العرب الذي سبكوا قساوة الصحراء بقصائد رائعة؟

الفجر الساطع: في أحد اللقاءات المصوّرة ذكرتِ أنّك تفاجأتِ من ردّ فعل العشائر البدوية من رواية "سلطانات الرمل". هل لكِ أن تشرحي ذلك لقرّائنا؟
لم يحدث وأن تمّ تدوين الذاكرة الشفهية للبدو، عالم القبيلة في البادية الشامية ظل أسير أقلام المستشرقين إلى أن كتب كل من جبرائيل جبور وأحمد وصفي زكريا في منتصف الخمسينيات من القرن العشرين عن بادية الشام. أدبيا لم يفعل أحد ذلك، جاءت رواية سلطانات الرمل لتضيء هذا العالم الساحر . عالم النساء الغرائبي وغير المألوف. للسلطانات حكايا حب تسببت بأكثر من حرب قبلية غيرت الخارطة القبلية في بوادي الشام، هذا حقيقة، وانا استلهمت عدة قصص حدثت، مما أثار غضب العقول التقليدية والمحافظة، للأسف إنها حرب الأدب الأزلية مع العقول المتزمتة.

الفجر الساطع: ما هي قصّة لينا مع الشّعر؟
كتبت مجموعة واحدة "بعنوان "نمور صريحة" مع عنوان فرعي "في شاعرية الافتراس". لا أعتبر نفسي شاعرة، وماتضمنته المجموعة نصوص نثرية تتعلق بطباع مملكة الحيوان، كالذئاب والنمور والفهود والأفاعي والصقور والحملان والظباء . . نصّ غير تقليدي وغير مألوف، لكنه يشبهني تماما.

الفجر الساطع:بصراحة أستاذة لينا، هل كنت تتوقعين هذا النجاح الكبير لرواياتك؟
النجاح تحصيل حاصل بعد جهد طويل، لست من البشر الذين يعتمدون على الحظ. أي لست ابنة الحظ هنالك غيري من كتب رواية واحدة وحظي بجوائز وتقدير وشهرة. روايتي الأولى كتبتها في عام 1998، ومنذ ذلك التاريخ وأنا أناور الأدب، أقرأ، وأكتب. أضف إلى عملي في الصحافة وفي مجال عرض الكتب تحديدا، هذا الأمر أجبرني على قراءة كتابين أحيانا في الأسبوع الواحد. ننجح عندما نتعب. النجاح الذي يأتي بالجهد يبقى، بينما النجاح الذي يأتي بالحظ سرعان مايتلاشى.

الفجر الساطع: متى ستعود لينا إلى سوريا؟
ومن قال أني غادرتها وجدانيا؟ سوريا تسكنني. حتى لو سكنت في بيروت، دائما أقول إنّ الكاتب كما السلحفاة يأخذ بيته معه أينما ذهب.

الفجر الساطع: كلمة أخيرة لقرّاء الفجر الفجر الساطع:
الأدب يكتبه أكثر البشر حزنًا، من خلال اللغة نجترح ابتساماتنا الخاصة.

من قال إنّ الرواية العربية باتت عاجزة عن التجدّد؟ إنّ المتتبّع لروايات لينا هويان الحسن سيلمس أنّه أمام كاتبة أزالت كلّ القيود عن عوالم كانت محرّمة على الأدب والإبداع الفكري، تمكّنت لينا من اختزال تاريخ عربيّ حافل عبر سطور متأنّقة ظلّلتها بكمٍّ هائل من المشاعر، فشكّلت بذلك علامة فارقة في رواية إرث تاريخنا المجيد، دون أن تغفل عن تفاصيل كانت في طيّ النسيان. إنّ لروايات كاتبتنا المبدعة "نكهة" لا نجدها في مكان آخر، الأمر الّذي جعلها تحلّق في عالم الإبداع والتألّق. والحقيقة أنّ حواري مع لينا أضاف لي الكثير، وجعلني أعيد النظر في بعض ما كان مسلمًا به، خاصة فيما يتعلّق برواية التاريخ، أخيرًا لا يسعنا في صحيفة الفجر الساطع إلّا أن نتقدّم يجزيل الشكر والتقدير للكاتبة السورية الرقيقة لينا هويان الحسن، آملين لها مزيدًا من التألّق والنجاح والتوفيق في جائزة البوكر لهذا العام...


مقتطفات من رواية "ألماس ونساء" المرشّحة لجائزة البوكر
تقول له بعينين واثقتين: " بطلتك تشبهني". 
" تشبهك أنتِ؟ ؟! انت يا حبي لست من صنف النساء اللواتي يمكن لكتاب أن يحتويهن، يصعب على الورق أن يؤويك، ستحرقينه، تتلفين كل ما تلمسينه"

"هكذا علينا أن نفعل في سبيل أولئك الذين نستمر في حبهم بطريقة ما.
هو يعرف أنها ستعيش قربه ضمن قواعدها هي، قانونها الغريب، الخاص والذي صنعته لنفسها. عندما لاتعجبنا القوانين التي صنعها غيرنا، فلنصنع قوانيننا بأنفسنا". 

"لم يعرف كارلوس قط . . أن ثمة ماسة من البرلَنت المشوب بزرقة شاحبة كانت ضمن مجوهرات الملكة نازلي، والتي ستُعرض لاحقاً في متحف للمجوهرات الملكية في القاهرة.
وسيمر الزوار، يتأملون ذلك اللمعان المؤطر بالزجاج، لمعان يشبه بريق لنجمة لا حدّ لها . . بريق يليق أن يبزغ من عين إله. .
بريق جاء من باطن الأرض، من العتمة من مكان لا شمس فيه، لهذا تعلم كيف يكون هو الشمس".

"لم أزين جدران منزلي بصور أحبائي، لم أفكر بتعليقها على حائطي ، الأمر تماما مثلما أني لم أكتب يومياتي قط، ربما حتى لا أغامر في تحويل أيامي السالفة إلى فيلم وثائقي.يمكن لشريطه أن يمر في أي لحظة."
على الأقل أتيح لنفسي الفرصة في أن "أفرّ". نظن أننا نزين جدراننا، فنوقع أنفسنا في شراك مربكة. نظن أن الصورة مؤطرة في برواظ، محبوسة تنصاع لحقيقة أنها شيء جامد، لكن، لا. ."

قالوا عن ألماس ونساء
"مسافات تاريخية ومكانية تقطعها نساء الكاتبة السورية لينا هويان الحسن في روايتها «ألماس ونساء»، على مدى جزءين، يضرب أولهما بعيداً، فيذهب إلى بدايات القرن الماضي، متنقلاً بين جهات مختلفة من هذا العالم، وفي القلب منه دمشق وبيروت، وكذلك باريس وبيونس آيرس وساو باولو.
تحتشد الرواية التي وصلت إلى القائمة الطويلة لـ«البوكر العربية»، بالنساء وقصص تمردهن ونهاياتهن، التعيسة غالباً، التي تستهل مع «ألماظ» ذات الخاتمة الانتحارية في باريس، بينما آخر نسوة الرواية هي «لطفية» التي كرهت صفة اللطف، وتخلت عن اسم أجبرت عليه، وتخيرت «برلنت» الذي يعود هو الآخر إلى الألماس، ذلك الحجر الكريم الذي يزين جيد نساء كثيرات في الرواية، ويظل مشعاً بالحكايات والمآسي، ليشهد بريقه المغوي على سير بطلات العمل."-محمد إسماعيل

"كالكثير من روايات الحسن، تتضمن «ألماس ونساء» سيرة دمشق من خلال نسائها، وتتوخى الكشف عن بوابات الشام السبع في رغبة الكاتبة أن تُفتح لها هذه البوابات. تقول: «دمشق لها تفكير امرأة. هي أنثى. أخطر أنثى عرفها التاريخ، فكيف لمدينة أن تستثمر أربع جهات لفتح بوابات سبع لولا أنها تفكر على طريقة المرأة؟ باب يُفتح، وباب يُغلق، وباب يُوارب، ثم هناك الباب الذي لا تفتحه الشام إلا لمن يملك قلبها؟" - عناية جابر
 "تقدم رواية "ألماس ونساء" للروائية السورية لينا هويان الحسن الصادرة عن دار الآداب في بيروت منظورا مختلفا لمعاناة شعوب المنطقة للحصول على الحرية بمفهومها العام والخاص.
بين الاستقلال والقرار الذاتي أو الارادة الحرة يندمج المفهومان سويا في كتابة تربط الخاص والعام بشكل متوازن وتلقي الضوء على "عصر النهضة" العربية.
الرواية تتحالف مع المادة التاريخية واللغة الحكائية بحيث تقدم نصا سرديا يعتبر أحد أمتع وسائل قراءة التاريخ تقنية "التاريخ المصغر ميكروهيستوري" في تتبع النص لقصة ألماظ في الجزء الأول.
ألماظ المسيحية ابنة تاجر السجاد الدمشقي وحفيدة بابور الهندوسية التي تقدم ألماسة زرقاء كانت عينا للالهفيشنو كهدية لحفيدتها يوم زواجها من الكونت اللبناني كرم الخوري المقيم في باريس.
لكن حكاية ألماظ تأخذ مسارا مفاجئا بسبب عشقها للبيكباشي محمود التركي حيث تجد نفسها تعبر الأطلسي في رحلة غريبة صوب البرازيل". - رويتر

سيرة موجزة: ولدت الكاتبة السورية لينا هويان الحسن في بادية حماة عام 1977، ودرست الفلسفة في كلية الآداب بجامعة دمشق. عملت في الصحافة، ولها عدد من الروايات والدراسات. ومن أعمالها الروائية: «معشوقة الشمس» 1998، و«التروس القرمزية» 2001، و«بنات نعش» 2005، و«سلطانات الرمل» 2009، و«نازك خانم» 2014. ولها مجموعة شعرية بعنوان: «نمور صريحة» 2011.

 
اضف تعليق
الاسم الشخصي :
البريد الالكتروني :
الموضوع :
التعليق :
حكمة اليوم
رمضان كريم
جريدة الفجر الساطع
خبر في صورة