الفجر تحاور الكاتبة البحرينية رنوة العمصي بمقابلة حصرية
27/3/2015 19:50

 الفجر تحاور الكاتبة البحرينية رنوة العمصي بمقابلة حصرية

حاورها: أحمد لطفي

من أحضان الخليج العربيّ أطلّت الكاتبة البحرينية الشابّة من خلال نافذة الأدب، لتروي لنا حكايات رقيقة، في زمن القتل والدمار، في مرحلة مفصلية يعيشها العالم العربيّ ويرويها بدماء أبنائه وبأوهام منّظريه وبأحلام أطفاله.
عرفت رنوة من خلال روايتها "الزيارة" فأسرتني أحداثها وأدركت أنّني أقرأ لكاتبة سيكون لها شأن كبير في عالم الرواية العربية، خاصة لما تملكه من ثقافة واسعة وقدرتها على اختراق وجدان شخصياتها دونما استئذان. وما أثار فضولي أنّها في "الزيارة" سافرت إلى أرض الكنانة محلّقة فوق سواحل البحرين الذهبية، عابرةً رمال الصحاري الحارّة حتّى تستقرّ في القاهرة لتعانق بقصد أو بغير قصدٍ وجداننا نحن الفلسطينيين، ولكي لا أزيل سحر الغموض سأكتفي بهذه الأسئلة الّتي أحاور من خلالها لؤلؤة البحرين الكاتبة الشابّة رنوة العمصي...

                     
-
الفجر الساطع: بداية نرحبّ بضيفة "الفجر الساطع" الكاتبة البحرينية رنوة العمصي ونسألها بقصدٍ: من هي رنوة؟
رنوة شابة عربية، بهويات متعددة، تنسجم أحيانا وتتصارع أحيان أخرى،  والدي بحريني من أصل فلسطيني، وأمي مصرية، ولدتُ ونشأت في البحرين، جزيرة هادئة وجميلة، وهي أحبّ بلاد الله إلى قلبي، المسكون أيضا بمصر وفلسطين.


- لقد كانت إطلالتكِ إلى العالم العربيّ عن طريق رواية "الزيارة"! ماذا سبق زيارتكِ الرقيقة هذه؟
سبق رواية "الزيارة"، ديوان شعر أو هكذا أصرّ الناشر السيد ماهر شرف الدين على تسميته، في الوقت الذي كنت خائفة من أن يسمى ما أكتبه "شعرًا"، لئلا ينعتني أحد بالشاعرة..
هل يعني هذا أنني تجاوزت قلقي من أن أسمى شاعرة؟ الجواب لا طبعًا، لكني اعتدت القلق، الذي يصحب فعل الكتابة هذا.. 
الديوان يحمل اسم "أشياء تصلح لقضيّة" وهو مجموعة نصوص بمزاج شعري، بعضها شعر، وبعضها سردية شعرية.. كتبت من دون غاية، ولا تخطيط النشر، لذلك كانت نصوص حرّة وبسيطة، متخففة من القوالب ومن أي حالة نموذجية يراد الوصول لها أو محاكاتها ساعة الكتابة.. وحين طلبت مني وزارة الثقافة في مملكة البحرين جمعها، لنشرها ضمن البرنامج الثقافي الشبابي "تاء الشباب"، بدأت أجمع أوراقي المنثورة تحت الوسادة وداخل الكوميدينة، وعلى جهاز الكومبيوتر.. شعرت حينها للمرة الأولى أنّ ثمة من سيقرأ هذا، أن يكون ثمة جمهور

الفجر الساطع: لماذا اخترتِ أن تسردي أحداث "الزيارة" على لسان طفلة؟
لا أدري من منا اختار الآخر أنا أم الطفلة، هي ترافقني، في نصّي من قبل الزيارة، وأشعر أن بعض سذاجتي في الحياة سببها أني لم أتخلص من تلك الطفلة بعد، ولا يبدو بأنني سأفعل، لذلك أعتقد بأنها أنقذتني وحسب، لأنها جعلت أسئلتي محببة ومشروعة، ولو أنها -الأسئلة- طُرِحت على لسان بالغ راشد، ربما لم تكن لتقبل.. هذه الطفلة هي مشكلتي وحلّها، ذنبي وعذري إن شئت
الطفلة في الزيارة طرحت أسئلة في الهوية والآيدلوجيا والله والتاريخ.. وهي وحدها تتحمل مسؤولية ذلك.

الفجر الساطع: لماذا اخترتِ القاهرة مسرحًا لأحداث روايتكِ وليس البحرين؟
القاهرة هي القلب، ماذا عساي أقول، لا تمر حقبة من تاريخنا العربي دون أن تلامس هذه المدينة بشكل ما، كيف إذا كنت تتحدث عن فلسطين في آخر ٦٠ عامًا.. 

الفجر الساطع: الرواية تطرح مفهومًا جديدًا للقضية الفلسطينية! ككاتبة بحرينية كيف تمكنتِ من بناء تصوّر جديد لبحث جوانب هامّة في هجرة اليهود لفلسطين؟
أنت لا تقرر سلفًا أن تطرح مفهومًا أو تصورًا جديدًا، كل ما هنالك أنك تطرح تصوّرك بصدق وإخلاص، فتكتشف لاحقًا بأنه جديد، أو إشكاليّ، على الأقل هذا ما حدث معي.
تكون الحقائق أمامك، هي ذاتها التي أمام الجميع، لكنك تركبها هي نفسها بشكل مختلف، فتعطي قراءة مغايرة تماما للسائد.. لم أعتمد على أي معلومة مختلف عليها أو غير دقيقة، لكني أعدت تركيب التفاصيل، بدون افتراض مسبق للنتيجة.. 
الأمر بحاجة لأن تكتشف الأشياء التي تعدّها مسلّمات بطريقتك لوحدك، بطريقة الطفل الذي يريد أن يعرف ما هي النار فيضع يده فيها.. هكذا بالاكتشاف تفقد كل القوالب الجاهزة قدسيتها، وتصبح الرؤي المغايرة ممكنه.

الفجر الساطع: ما هي القيود الّتي قد تواجه كاتبة خليجية في بداية مشوارها؟
داخليًا الرقابة المجتمعيّة، عربيًا الصورة النمطيّة عن النساء في الخليج، وعالميًا إن شئت، الرغبة في تلقف النصوص الفضائحية أكثر من البحث في جودة المنتج الأدبية.. هكذا أستطيع تلخيص الأمور

الفجر الساطع: خضتِ تجربة ناجحة في الشعر لكنكِ لم تستثمري لغتكِ الشعرية في الرواية! برأيكِ هل يعطي الشعر دفعة للرواية أم أنّه يشكّل عائقًا لتسلسل أحداثها؟
صحيح تمامًا، لم أفعل هذا في تجربتي الأولى التي حاولت أن أخلص فيها تماما للبناء الروائي، فلا تخطفني جمالية اللغة من جمالية السرد لذاتها، كنت أريد أن أختبر نفسي في ميدان آخر متجردة من أسلحتي السابقة، واجهت السرد بدون أي رغبة في التحايل عليه، وتركت له أن يفرض علي جماليته التي بدأت تتشكل معي من تلقاء نفسها، ساعدتني في هذا كثيرا نجوى بركات، التي صدرت الرواية بعد ورشة عمل محترفها للرواية، حينها كانت تشعل لي جرس إنذار كلما أخذني الشعر بعيدًا عن متن السرد والبناء الروائي.. ورغم أني لم أستخدم اللغة الشعرية، إلا أن كثير من النصوص لم تخلُ من شاعرية.. الشاعر يرى الأشياء بصورة مختلفة، لذلك فإنه وإن روى الحكايات سردًا فإن عينيه اللتيْن تريان الأشياء لا تراها كسِواها من العيون.. 
ربما، في تجربتي الروائية القادمة، يكون ثمة حضور للغة الشعريّة.. لا أدري.

الفجر الساطع: ما هي المواضيع الّتي يتناولها ديوانكِ "أشياء تصلح لقضية"؟
"أشياء تصلح لقضية" كما سبق وأخبرتك، لم يكن مخطط له، لكنني اكتشفت خيطا يجمع هذه النصوص، ومنه اخترت عنوان المجموعة. النصوص في هذا الديوان الذي خرج في عام ٢٠١١م، تزامنا مع ما أسمي بالربيع وما حمله من خير وشر، فوضى وقلق، وما شكلته المرحلة من اختبار لكل المسلّمات، وما قيل بأنها ثوابت، المرحلة التي هزّت كل شيء، وكشفت كم أننا عراة ولسنا بتاتا على أرض صلبة... هذه النصوص وجدتها تحتمي بالشخصي، بالأمور الصغيرة جدا، التي بمقابل القضايا الكبرى لا تجد من يعيرها اهتمامًا، وفي حين أن القضايا الكبرى والشعارات الكبرى بدت لي خاوية وكاذبة، كانت أشيائي الصغيرة جدا ملجأ آمنا وصادقًا أعرف جيدًا أنها أصدق... وتصلح أكثر من سواها أن تكون هي القضية.

الفجر الساطع: عرفنا أيضًا أنّكِ فنّانة تشكيلية! ما هي الخطوط المشتركة بين الفنّ والشعر؟
درستُ الفن التشكيلي، وأمارس الفن، عندما أكون تحت ضغط لا أستطيع معه مواجهة الكلمة، أترك اللاوعي يوجهني في اللوحة، الفنّ رغم إني لا أمنحه الكثير من وقتي، بعد أن اتجهت صوب الكتابة، إلا أنه منقذي عندما أهرب من الكلمة.. أو عندما تهرب هي مني !

الفجر الساطع: قرأتُ قصائد من الديوان، وشعرت أنّني أواجه صرخة امرأة خليجية! هل كان شعوري في محلّه؟
لا أعرف ما تعنيه بكلمة صرخة... لا أظنّ

الفجر الساطع: ما هو تأثير البيئة الاجتماعية الخاصّة على نتاجكِ الأدبيّ؟
فتاة عربية من الطبقة الوسطى.. بكل مشاكل هذه الطبقة وطموحاتها، وتشبثها بالبقاء، بكل أمراضها وعقدها، بهذه الحقبة الزمنية اللعينة التي نعيش، بالإرث الذي حملتني إياه الهوية.. كلها أشياء ليست ساكنة بداخلي، ولا مستقرة، وإنما تتصارع أحيانا، وتنسجم أحيانا، لكنها تبقيني على الدوام في حالة تساؤل، في حالة نقد، لست شخصية مطمئنة.. أنا في تسويات دائمة مع نفسي ومع محيطي، في حالة صراع وتفاوض، ربح وخسارة، هروب ومواجهة، وهكذا..

الفجر الساطع: في الآونة الأخيرة سطع نجم أديبات خليجيات على نحوٍ لم نعهده من قبل! ما السرّ من وراء ذلك؟
ثمة استقرار تعيشه هذه المنطقة من العالم العربي مقارنة بسواها من المناطق، ثمة رغبة في تحقيق انفتاح نسبي، تحديدا فيما يخص شؤون المرأة.  عوالم الافتراض شكلت أرضية هامة لخلخلة الحاجز الاجتماعي، الأسماء المستعارة والصور المستعارة، الاختباء خلف الشاشة، ثم الظهور شيئا فشيئا، فالطباعة، ثم زيادة دور النشر الخليجية والدعم الحكومي للكتاب، النمو في فعل القراءة في الخليج، والقدرة الشرائية للقارئ الخليجيّ إن شئت.. 


الفجر الساطع: لو لم تكوني بحرينية! أيّ الدول العربية هي الأقرب لقلبِكِ؟
بالأساس إضافة إلى البحرين، لدي انتماءات متعددة بالفعل لمصر ولفلسطين، ولو كان لي أن أضيف لهذه الأوطان وطنًا لاخترت تونس 


الفجر الساطع: ما رأيكِ بالأدب الفلسطيني؟

الأدب الفلسطيني، غني..
 
وقد استند إلى حالة إنسانية وتاريخيّة عميقة وقاسية ومعقدة، لا تزداد مع الوقت إلّا تعقيدًا وبؤسًا.. لاتزال قصص الباقين والمهاجرين والمهجرين، المخلصين والخونة، الشهداء والجبناء، المناضلين والمرتزقة، الداعمين والمساومين، تزداد ثراءً وطزاجة.. غير أننا كحالنا حيال الأشياء، لا نراها سوى باللونين الأبيض والأسود.. نقسِّمها لخير وشر، في معادلة نحن قطعًا الخير المطلق فيها، وسوانا لابد الشر المطلق. هذا الحال ينطبق على الأدب وغيره..

السياسة أفسدت جزءً كبيراً من الأدب الفلسطيني، أو قُل الشعاراتيّه، لكن ثمة من نجا من هذا، لا أريد أن أعيّن أسماء.. لكني أطمح أن يكتب الأدب الفلسطيني فلسطين، وليس القضيّة الفلسطينيّة، أستعيد من كلمات الكاتب الفلسطيني مريد برغوثي في روايته رأيت رام الله حين قال: "لا يعرف العالم من القدس الا قوة الرمز. قبة الصخرة تحديدا هي التي تراها العين فترى القدس وتكتفي. القدس الديانات، القدس السياسة، القدس الصراع هي قدس العالملكن العالم ليس معنياً بقدسنا، قدس الناس... هي القدس التي نسير فيها غافلين عن قداستها لأننا فيها، لأنها نحن."

ما أريد قوله، لو نُغفِل القداسة قليلا ونكتب.. 

- في ظلّ الأحداث المؤسفة الّتي يشهدها العالم العربي، كيف يمكن للأدب أن يساهم في حلّ الأزمات؟

 

لا أعرف، أفكّر أحيانا كيف ينجو الأدب وحسب، ولست أكيدة كيف بإمكانه أن ينجو بالمجتمع. كل ما علينا هو أن نبقى أنقياء.. حتى هذه الكلمة تبدو طوباوية، أليس كذلك؟

أن يبقى الأدب مؤرخًا موضوعيًا، ضميرًا حيًا، في وجه العاصفة.. أن ينجو بنفسه، حتى يستدل به الآخرون.


الفجر الساطع: البحرين، هذه الجزيرة الساحرة، لم تكن يومًا بعيدة عن الإبداع! هل لطبيعة المجتمع البحريني أثرٌ على ذلك؟
البحرين جزيرة، الجزر والسواحل كما هو معروف أهلها مرحبون وودودون، كما أنهم اعتمدوا على التجارة، والتجّار أهل ذكاء وفعل اجتماعي نبيه، هم أيضًا سافروا للهند وفارس ووصلوا إلى باريس، تاجروا باللؤلؤ والجمال، يا لهذه الرّقّة!!
أضف إلى ذلك قوة المرأة البحرينية نسبيا مقارنة بالمحيط الخليجي، والمجتمعات المؤنثة، تكون أجمل. أهل البحرين أيضًا ليسوا شديدي الثراء، ما يجعلهم متبسطين وأصحاب نكته وسخرية محبّبة.

الفجر الساطع: ما هو جديد رنوة العمصي؟

البحث.. على صعيد العمل الروائي..

بدأت بكتابة سلسلة مقالات لموقع اليوم السابع المصري.. مقالات تبحث في العادي واليومي، لتجد فيه ما يستحق التوقف.


الفجر الساطع:كلمة أخيرة لقرّاء "الفجر الساطع

قرّاء فلسطين.. حياتكم العادية جدًا التي تمارسونها كفلسطينيين وعرب، تساوي كل شعارات النضال التي حمّلناكم إياها لعقود.. 

 

هذا ما كان بيني وبين الكاتبة البحرينية الشابّة رنوة العمصي، والحقّ أقول إنّ ما حملته هذه المبدعة من ثقافة شاملة قد أبهرتني، كما أن حسّها الوطنيّ في زمن السقوط والتخاذل قد دفعني للجزم أنّ الجغرافيا لا يمكن أن تكون عائقًا بين المبدع العربيّ وبين قضيّته.

 

عرفتُ رنوة من خلال ما قرأت لها ولكنّ هذه المقابلة جعلتني أكتشف الإنسان الراقي الذي يرسم التاريخ والواقع بكلمات بريئة، تبكي أحيانًا وتصرخ في أحيانٍ أخرى، علّ صوتَها يجلجل في فضائنا ليؤكّد حقّنا في الوجود.

ممّا كتبت رنوة...

 

تعرفين..؟ 
منذ أهمل والداي إشارات إصبع يدي الصغيرة، وتعلُّق عينيّ بالأشياء
منذ تجاوزا بسيقانهم الطويلة، قامة رغباتي الصغيرة
صرتُ نكاية بهما
كلما أوقفاني أمام فاترينة ملونة مضيئة 
كآلهة توشك أن تهَبَ
نظرتُ نحو قدميّ 
ضممت كتفيّ إلى رأسي حتى يلامسان خدّي
ثم وضعتُ يديّ في جيبي
***
ونسيتُ.. مذ ذاك
كيف أطلبُ شيئًا.. 
كيف أريده ثم أحصل عليه.. 
تعلّمتُ جيدًا
كيف أرغبُ شيئًا بشدّة
ثم أشيح بوجهي عنه
أبتلع شغف روحي
أغمض عيني وأراني من دونه
وصدّقي.. 
لا أزال حينها.. أضع يديّ في جيبي
لأتذكر أنني فوق صمتي، قليلة الحيلة
فيدركني التعَب قبل الأمَل
وصرتُ.. 
كلّما أتقنتُ الخسارة، استسهلتها
أعرفُ طعمها جيدًا ..
على الأقل!
*** 
يحدث
أن تخذلني العادة
أن أشحذ شجاعة مستعارة من طفل لم يعثر على خوفه بعد،
عينان لا ترفّان من مذيع نشرة أخبار يعدّ قتلاه على الهواء
وصوت لا يرتجف من بائع جائل 
أبقي فقط 
على قلبي.. 
لكن شيئًا ما بداخلي يضحكُ منّي
يضحك حتى يوقظ 
الصغيرة التي.. 
أمام الفاترينة الهائلة.. 
أحشُر يديّ في جيبها الصغير جدًا 
وأهرب

اضف تعليق
الاسم الشخصي :
البريد الالكتروني :
الموضوع :
التعليق :
حكمة اليوم
المرأة تضحك عندما تقدر، وتبكي عندما تريد.
جريدة الفجر الساطع
خبر في صورة