الفجر تلتقي الشاعرة العراقية الكبيرة زينب الربيعي
9/5/2015 6:15

 حاورها: أحمد لطفي

لم يعد يخفى على أحدٍ أنّ العراق هو أرض الشعر، منه بدأت تتبلور رحلة الشعر العربيّ، فشكّل تراب العراق حاضنة للإبداع الأدبيّ العربي، فمنه خرجت القوافيّ ومنه تجلّى الشعر العموديّ الكلاسيكيّ بأبهى صوره، فتعلّم العالم من أجدادنا العراقيين ماهيّة الإبداع والتحليق في سماء الأدب الراقي، وعندما وُلد الشعر الحديث، كان العراق مهدَه وحاضنته، فمن هناك أيضًا نشأ الشعر الحديث. وأبناء العراق بررة يعشقون الشعرَ بكلّ ألوانه ويواصلون الإبحار بين الكلمات لينيروا من جديد منارة الإبداع. ولطالما أسرني العراق وسحرتني ثقافته، وأثناء انغماسي في خِضمّ الشعر قرأت عددًا من الأعمال الّتي أدخلتني إلى عالم العشق والخيال، وإذا بي أمام شاعرة رقيقة أيقنتُ منذ اللحظات الأولى أنّها عراقية، وسرعان ما وضُحت الصورة وانكشفت لأتعرّف على شاعرة من طراز آخر، إنّها الشاعرة العراقية البهيّة زينب الربيعي. شاعرة أصيلة تلّخص مآسي الوطن بعبارات موسيقية ساحرة تجعلك تحبّ العراق أكثر. ما أروعها من صدفة عندما تضعك الأقدار أمام إبداع من لون آخر. إبداع ينساب بسلاسة كانسياب مياه دجلة العذبة بين الكرخ والرصافة، وكأنّي أبحر في قاربٍ سرمديّ من زمن الرشيد، يشقّ دروبه نحو وميض يتصاعد لأجد نفسي في ضيافة حورية شاعرة أحاورها فتحاورني، فتسرد لي حكايات بابلية تفوح منها رائحة البخور المعطّر لأفيق من حلمٍ جميل فإذا بي أحاور شاعرة العراق زينب الربيعي الّتي تكرّمت ومنحتني شرف مقابلتها عبر صفحات "الفجر" فكان هذا اللقاء:

 

 

الفجر الساطع: بداية اسمحي لي أن أرحّب بكِ وأنقل لكِ تحيّات قرّاء صحيفتنا وأرجو منكِ أن تعرّفينا على زينب الربيعي الإنسانة:

أنا عراقية فقط وهكذا لا أنتمي لغير العراق الواحد ، لا أحب تسمية شاعرة وإنما أنا أكتب الشعر كهاوية رغم صدور مجموعتين شعريتين لي ... وأظن كون شهادتي في الهندسة المدنية أثرت إلى حد ما في صياغة شخصيتي وكذا شعري برغم عدم اشتغالي كمهندسة .

 

الفجر الساطع: متى كانت البداية؟

أول كتاباتي كانت في عام 2007 كنصوص قصيرة كنت أنشرها في موقع عراقي مثير للجدل بآرائه السياسية وفيه قسم متواضع للثقافة ... وردتني في حينها رسائل إعجاب من شعراء ونقاد عراقيين مما دفعني على الاستمرار .

 

الفجر الساطع: برأيكِ ما هو سرّ قصّة العشق الّتي جمعت بين العراق والفلسطينيين؟

العراقي بطبعه ثوري وحادّ الطباع ويحتاج دائما إلى موضوع مهم للحياة الهادفة فكانت قضية فلسطين كافية لإشباع طباعه وكفيلة بجعله مشغولًا ومهتمًا ومنحازا كلّ الانحياز خصوصًا لدى الرجال فقد تربّوا وهم صغار على حقّ فلسطين واغتصاب أرضها وكراهية إسرائيل ... لكن للأسف الآن انشغل العراقيون بهمومهم وحالهم الّتي لا يحسدون عليها .

الفجر الساطع: قديمًا قيل إنّ الإبداع يولد من رحم المعاناة! هل ينطبق ذلك على الشاعرة زينب الربيعي؟

بالتأكيد ... إنّها الحسرة الكبيرة على العراق الذي أقحم في حروب وحصار واحتلال أميركي ، ظروف أحرقت العراق وأعطبته وشلّته وأهدرت كرامته ومكانته ومكانة العراقيين رغما عنهم ووضعتهم في ركن يحيط بهم أعدائهم من كل صوب حتى وصل مرحلة من التشوّش والهوان والانكسار فهذا هو إحساس عميق يخالج كل عراقي مهما كان انتمائه .

الفجر الساطع:ما هي الرسالة الّتي تحاول زينب إيصالها من خلال شعرها؟

المحبة ولا أمر آخر أكثر من المحبة بين البشر ونبذ الحروب وأسباب التفرقة والعيش بسلام ولو بأقل الشروط ... والانتماء للإنسانية بالدرجة الأولى بغضّ النظر عن خلفياتنا الإثنية والعرقية والقومية والدينية وكثير من المسمّيات الّتي دخلت في قاموس الإنسان المعاصر لا تدل إلا على تقسيمه وانشطاره ... كلنا إنسان واحد أمام الله وهذا كان بإمكانه أن يكون كافيا لولا انحراف التفكير الواضح الذي يخرم روح البشرية حاليا ويجردها من أصل وجودها وجوهرها .

 

الفجر الساطع: هل بإمكان الشعر أن يستنهض الثورة أم أنّ الثورة هي الّتي تستنهض الشعر؟

ذاك كان قديمًا أمّا الآن فلا هذا ولا ذاك ... صار الشعر تسلية للكثيرين وتوجها للبعض من المثقفين الّذين ليس لديهم توجها واضحا فيستسهل كتابة النصوص النثرية أحيانا بأسلوب معقّد غير مفهوم فيفقد الشعر أهم أركانه وهو الصورة وأحيانا بأسلوب بسيط إنشائي مكرر ونمطي فيفقد الشعر كل شيء ... فكيف وهو بهذا الحال أن يستنهض ثورة أو يحدث العكس ... الشعر مثل روح الإنسان العربي فقد الكثير من روحه .

 

الفجر الساطع:هل تبحث زينب عن الاختلاف والتميّز في بلد استنزف طاقات شعرية هائلة على مرّ العصور؟

أنا لاابحث بل أنا فعلا مختلفة كما هي طبيعتي كأمرأة وكإنسانة ... فالشعر جزء مني واختلافه جاء من اختلافي ...وهناك عوامل كثيرة أثّرت في هذا الاختلاف أهمها أحداث العراق العنيفة التي عاصرتها مع جيلي اأثر من أي جيل سبقنا .

 

الفجر الساطع:أينَ المرأة العراقية في شعركِ؟

انا المرأة العراقية وانا كل شعري

 

الفجر الساطع: برأيكِ ما الأولى في الشعر، المضمون أم الشكل والموسيقى؟

حقيقة لا اعرف ان افصل الامر بهذا التفصيل قد يكون الناقد اكثر دراية مني بشعري ...لكن كما سمعت من بعض النقاد ان شعري تغلب عليه الصورة الشعرية والموسيقى .

 

الفجر الساطع: يحتلّ السرد في بعض قصائدكِ مساحة لا بأس بها! هل فكّرت شاعرتنا بالانتقال إلى الرواية في ظلّ عودة القرّاء بنهمٍ إلى الأعمال الروائية؟

نعم فكرت مجبرة لا بطرة ... فأنا لا أريد أن أتحول من الشعر لغير عودة بل سأستمر بكتابته لأنه جزء مهم مني ... لكني بحكم ما يعتلي بصدري الآن وما يتراكم في رأسي من أفكار وصور وأحداث أحتاج إلى تدوينها في حاضري أظن أن الشعر صار يضيق بها فصرت بحاجة لمساحة أكبر أحرك فيها فلم أجد بدا من التفكير في كتابة رواية وقد تكون هي منجزي الثالث بعد سنة من الآن بمشيئة الله .

 

الفجر الساطع: هل يختلف شعر المرأة عن شعر الرجل؟

بالتأكيد ... الشاعر غزير التجربة ولديه مساحة أكبر في حرية التعبير أكبر بكثير في كثير من الصور التي تحتاج إلى غزل وإيروسية وحتى طروحات سياسية أو عقائدية قد تدخله في عقبات وصدامات مع المجتمع أو الحكومات الأمر الذي تحاول تجنبه الشاعرة إلى حد ما بحكم ارتباطها بعائلة ومجتمع لم يتجاوز بعد عقد الذكورة والتسلط واطلاق الأحكام العشوائية وفرض القيود على حرية المرأة .

 

- كًتِبت الغربة على معظم المبدعين العراقيين! كيف أثّرت الغربة والبعد عن العراق على أدب زينب الربيعي؟

تأثير كبير جدا بكل تأكيد ...فأنا مغتربة منذ أكثر من عقدين تشكلت فيها أهم سنوات حياتي خصوصا في ظل أحداث عاصفة مرت بالعراق تمكنت وأنا البعيدة أن لا أنحاز لشيء أكثر من المنطق في نظرتي وحكمي بعيدًا عن مؤثرات مباشرة صاغت شخصية العراقي في يومياته من خراب متعمد من قبل المخربين والمجرمين قدموا من الجهات الاربع كمرتزقة مدفوعين بأهداف محددة لم يجد العراقي نفسه إلا مجبرا أن ينحاز لجهة على حساب الوطنية والانتماء للأرض الواحدة وهو داخل العراق .

 

- قال أحد الفنّانين العراقيين: لو لم أكن عراقيًا لكنتُ عراقيًا! هل توافقين مع هذا القول؟

نعم بكل جوارحي ... فأنا عراقية حدّ الوجع والحزن والبكاء .

 

الفجر الساطع: نظمتِ قصيدة " سيّدة الموت"! هل لكِ أن تحدّثينا عن قصّة هذه القصيدة؟

هي قصة الصحفية العراقية الشهيدة أطوار بهجت التي دفعت ثمنا باهظا وهي تنقل أحداث مدينتها الجريحة الأنبار غرب العراق في أكثر الأوقات دموية بعد احتلال أميركا حيث كان تنظيم القاعدة يتفنن بقتل الصحفيين لانهم ينقلون الأحداث ويفضحون ممارساتهم البشعة قبل عدة سنوات حينما كانت البشاعة في بداياتها ...فآثرت تلك الآنسة الجميلة ( رحمها الله ) إلا أن تذهب لمدينتها وتنقل الأحداث على حقيقتها لتكشف قبح القاعدة وتبين شجاعة أهل مدينتها في التصدي لهم فما كان منها إلا ان تدفع حياتها ثمنا رغم اعتراض أهلها والمقربين منها طريقها وحثها على عدم الذهاب وهي التي كانت تسكن في بغداد في أمن وأمان وتعمل مراسلة لاحدى القنوات . 

 

الفجر الساطع: في قصيدة "باعِد خطاك يا حسين"، توظّفين مقتل الحسين لنقل انتقاد سياسيّ! ماذا تقولين في ذلك؟

كلنا نحتاج إلى هذا النقد وليس السياسيون فقط ... يجب أن يكون مقتل الحسين دافعا لنا لتمكين الحق على الباطل وبتر أطراف الظلم والثورة على المتسلط والظالم وليس الحاكم فقط ... الظلم يسري في مفاصل كثيرة من حياتنا حتى بتنا لانميزه .

الفجر الساطع: في إصداركِ الجديد "رباعيات زينب الربيعي" تبحثين عن الأمل والحرّية في عالم مثقلٍ بالآلام الأحزان! هل بإمكان الشاعر أن يرى ما لا يراه غيره وسط الركام والدمار؟

إلى حد ما نعم لأن الشاعر يتكلم بصوت مسموع وهادر ويستخدم كلماته كسلاح موجه لقضية واضحة تمس المجتمع مثلما تمسه ... الشاعر صوت واحد حينما يكتب لكنه يتحول إلى عشرات ومئات وآلاف الاصوات حينما يُقرأ .

 

الفجرالساطع: الألم يشكّل مبنى الرباعيات " أربعة أبيات في المقطع" قيدًا يعيق بث أفكاركِ ومشاعركِ.

لا أبدا وكأن الامر صار تدريبا بعد عدة رباعيات ... وكأن ما يجول بخاطري تأقلم تماما في الصورة والكلمة والمعنى بعد عدة رباعيات ... أنا أصلا لم أفكر بإتمام الرباعيات بهذا العدد ولم أصل إلى 200 رباعية إلا بعدما تركت انسابت الاسطر والأفكار والأحاسيس بشكل مختصر ومركز من تلقاء نفسها فلم تحجرني أو تجبرني على غير ذلك .


الفجر الساطع:في الرباعيات رحلة سندبادية حزينة، تخرج من بغداد إلى مدن متوسطية في إيطاليا، فرنسا، إسبانيا الجزائر وغيرها.. ثمّ عودة إلى مدينة الحزن! ماذا يعني المكان بالنسبة لزينب الربيعي؟

هي حزينة حينما تصل إلى العراق أما بعيدًا عنه فهناك الشوارع الجميلة والحدائق الزاهية والشرفات الملونة والنساء والرجال السائحون المتأنقون الناظرون ... فهناك فرق كبير وواضح لا يمكن إنكاره بين العرب والغرب في كثير من شؤون الحياة وهذا لم يعد يخفى على أحد خصوصا في ظل وضعنا العربي التراجيدي الحاضر ، فكلما ازداد الغرب علما وتحضرا نزداد نحن بؤسا وتراجعا وموتا . نحن على النقيض منهم ، نحن العرب حولنا المكان والزمان إلى مقاييس لا يمكن قياسها ووصفها والعمل عليها وبالتالي لايمكن اعتبارها والاعتماد عليها .

-الأسطورة حاضرة بكثافة في الرباعيات! من أين أتيتِ بهذه الثقافة الحضارية الغزيرة؟

من قراءاتي وأسفاري على ما أظن ... والأهم من ذلك أنها تستهويني وتخترقني وتهذبني وتجعلني ممثلة أو مقلدة في مسرحها الكبير اللامتناهي في عمقه وإبداعه حتى يخيل إلي أن تلك الأساطير ليست من صنع الإنسان بل هي من صنعت نفسها وصنعتنا . 

 

الفجر الساطع: من خلال متابعتي لما تكتبين في صفحتكِ لاحظت أنّك لا تجاملين ولا تهادنين لدرجة أنّ البعض قد اتّهمكِ بالطائفية. كيف تردّين على هذه الاتّهامات?

الكل بات يتهم الكل بالطائفية لأنها شماعة نعلق عليها أخطائنا وهي سبب من ليس لديه سبب وهي سبب لكل متكاسل ومتقاعس عن المطالبة بحقوقه وحقوق أبناء بلده ... وهي السبب والنتيجة وهي العذر القبيح لأفعالنا الاقبح وانجرارنا وانجرافنا إليها دون تفكير وتمحيص ... التهمنا الطائفية مثل سمين ظل يأكل وهو جالس حتى لم يعد بإمكانه الخروج من الباب فظل حبيس مقعده الذي لم يعد يتحمله .

 

الفجر الساطع:هل تخشين من غزوٍ ثقافيّ إيرانيّ للعراق؟

أبدا ولا أظن أن هناك مثقفا عراقيا يخشى ذلك ... العراق لايمكن ابتلاعه لا سياسيا ولا ثقافيا لانه لقمة كبيرة على أي طامع يفكر بابتلاعه ... العراق كبير جدا لذلك كان مخطط غزوه وتدميره كبيرا ايضا  .

 

الفجر الساطع: هل هناك أدب عراقيّ مقاوم؟

لا للأسف لايوجد ... نحن لم نقاوم لأننا ابتلعنا الطائفية وهي التي باتت تقاومنا .

 

الفجر الساطع: ما هو جديد زينب الربيعي؟

كما أسلفت كتابة رواية تتسع لمخيلتي في سرد واقع مررت به وواقع المرأة العراقية في السنوات المتأزمة الأخيرة التي بصمت وتركت على حياتنا لونا قاتما لايمكننا إلا أن نسجله ونؤرخه بعمق وفهم ونظرة غير متحيزة علها تحررنا وتخرجنا من القالب الذي اجبرتنا الأحداث أن نحجم انفسنا فيها وكأنها ادخلتنا فيما يشبه بالثقب الأسود لكن على الارض وليس في الفضاء .

 

كلمة أخيرة لقرّاء الفجر الساطع:

أمنيتي أن أراكم في شوارع مدنكم في فلسطين وأشارككم الهواء والأرض وأتمشى في أسواقكم وأجلس على مقاعد مقاهيكم وأتنفس عطور دكاكينكم وأحتسي قهوتكم وأستطيب طعامكم وحينما أعود أكتب فيكم الشعر .

 

** وبعد، فأي كلمات تصف طوفان المشاعر الّذي استبدّ في روح ووجدان هذه الشاعرة العراقية المتألقة، بحثت عن الضوء الّذي ينير دروبها فلم تجده إلّا من خلال الشعر، وهي العراقية الوطنية الّتي فرضت عليها الظروف أن تبتعد عن عراق الحبّ والفنّ والشعر وباتت صحاري شاسعة تفصل بينها وبينه. تابعتها من خلال صفحات الفيسبوك فأذهلتني شجاعتها وعندما قرأت شعرها أيقنت أنّني أمام شاعرة كبيرة أعادتني إلى بابل وسومر، وتملكني شعور أنّني أحاور أميرة سومرية، رقيقة المشاعر، تعشق رائحة البخور في بلادٍ كانت يومًا منارة العالم.

اضف تعليق
الاسم الشخصي :
البريد الالكتروني :
الموضوع :
التعليق :
الحماني
28/8/2015 4:26
حكمة اليوم
المرأة تضحك عندما تقدر، وتبكي عندما تريد.
جريدة الفجر الساطع
خبر في صورة