افتتاحية الفجر الساطع:شفاعمرو.. مدينة ذبيحة
6/5/2016 7:34

 في مستهلّ افتتاحيتنا هذه، نودّ أن نعتذر من قرّائنا الأعزّاء على قساوة المُفردات الّتي سوف نستخدمها وذلك للتعبير الحادّ المُباشر عن حقيقة ما يحدث في مدينتنا، دون أن يسعى المسؤولون والمواطنون لتغيير هذا الواقع الأسود. جميعنا متخاذلون، جميعنا مقصّرون. البلدية مقصّرة، المدرسة مقصّرة والأسرة مقصّرة. لا نستثني إلّا من رحم الله. لقد ذُبحنا عندما ذُبحت ميرفت. هذه المرأة الأصيلة المُكافحة الّتي كرّست حياتها من أجل بيتها وأولادها. لقد استُبيحت مدينتنا بالكامل ونحن غافلون. وعدنا تجترّ كلامًا بلا طعمٍ ولا رائحة، "لا يُسمن ولا يغني من جوع". على الفور بدأنا نوجّه التُهم للشرطة الّتي هجرت بلداننا العربية وتركتها عرضة للمجرمين والشواذ والأنذال. ولكن، ماذا فعلنا نحن من أجل حماية بلدنا؟ لا شيء!

من السهل أن نكيل التهم على الآخرين، نحزن قليلًا، نسبّ القاتل ونلعن اليوم الّذي وُلد فيه، ونغيّر صور صفحاتنا على الفيسبوك لنعلن الحداد، ثمّ بعد ذلك نخرج لنرفّه عن أنفسنا وكأنّ أمرًا لم يكن، أو كأنّ المسألة برمّتها محصورة في عائلتي زيدان وأبو جليّل! إنّ الشرطة أيّها الإخوة والأخوات لن تحمينا فدعونا نطوي هذه الصفحة. الشرطة لم تكشف حتّى اليوم مجرمين كثر قاموا بشتّى أنواع الإجرام، ولو كان الأمر يتعلّق بجريمة في بلدة يهودية لكان تعامل الشرطة مختلفًا! هذه حقائق لا نقاش فيها. فدعونا نقلب هذه الصفحة.
أمّا ما يسمّى بلجنة المتابعة، فهي لجنة تتابع كلّ شيء إلّا شؤون الأقلية العربية الفلسطينية في هذه الديار. وقد تحوّلت هذه اللجنة في السنوات الأخيرة إلى جسمٍ ثقيلٍ مفروض علينا عنوة. لجنة "مخترة" ليس أكثر. لا نذكر أنّها قدّمت في العقدين الأخيرين ما يفيد جماهيرنا العربية. حتّى أنّ الحكومة لم تعد تكيل وزنًا لهذه اللجنة الّتي أضحت لجنة الولائم والتشريفات. فلا يتوقّع عاقلٌ أن تقوم هذه اللجنة البائسة بتقديم حلول عملية لمشكلة العنف وانتشار الأسلحة في المدن والبلدات العربية. فهي لجنة شعارات لا يحبّ أحدٌ من أعضائها أيًا من زملائه، بحيث كانت الانتخابات الأخيرة فيها أشبه بمهزلة أبطالها دمى متحرّكة. فهل لا زال هناك من يؤمن بأنّ هذه اللجنة ستتابع وتحمي؟ 
أمّا أعضاء الكنيست العرب الّذين اتّحدوا صوريًا من أجل الحفاظ على مقاعدهم في الكنيست في إطار ما يُسمّى "القائمة المشتركة" فهم أبطال خارقون! ليس على الورق- لا سمح الله- بل على الفيسبوك. كلّهم أبطال وكلّهم حاضرون. هذا يستنكر وذاك يشجب وذاك يصيح. من حظّ هؤلاء أنّ مظفّر النوّاب لم يسمع عنهم! ماذا استفادت الجماهير العربية من تصريحاتهم النارية؟ والأدهى من كلّ ذلك أنّهم باتوا يقيسون قوّتهم السياسية من خلال عدد علامات الإعجاب الّتي يحصلون عليها من خلال ما يكتبون في صفحاتهم. لا بل تعدّت وقاحتهم لدرجة بدأ هؤلاء يستخدمون تقنيات تحديد المكان (تشيك إن). فهناك عضو كنيست تافه ينشر: "الآن في بيت العزاء في... لتقديم واجب العزاء". هذا هو حال معظم النواب العرب. تافهون، متخاذلون ومتآمرون على مصالح الجماهير العربية. "السوس" ينخر بجسدنا من الداخل ونرى نوّابنا يتفنّنون في خداعنا، من هنا فإنّنا نعود وننادي بمقاطعة الانتخابات كليًا إذا لم تقم الأحزاب العربية بأداء واجباتها تجاه مجتمعها المُتهالك. وقد تتهمنا هذه الأحزاب الآن بشتّى التُهم ولكن هذا الأمر لم يعد ضمن حساباتنا لأنّ فاقد الشيء لا يعطيه!
أمّا السلطات المحلية العربية فهي مؤسسات تخدم أجندة خاصة بالمقرّبين والحلفاء، يشتدّ الصراع ويحتدم في الانتخابات، نسمع وعودًا "فضفاضة" وبعد الانتخابات يتبخّر كلّ شيء. كنّا نتغنّى على الدوام بشفاعمرو وأهل شفاعمرو. غفلنا في أوج اعتدادنا بأنفسنا عن مشاكل بدأت تهدّد بنيتنا، في ظلّ عجز كامل من البلدية وأقسامها. المشاكل أضحت مزمنة لا يجرؤ أحد على التحدّث فيها. وكنّا قد أثرنا عشرات القضايا الاجتماعية عبر "الفجر الساطع"، ولكنّ المسؤولين كانوا يبرّرون الواقع من خلال تزوير الحقائق وتجميل الصورة المشوّهة أصلًا.  صحيح أنّ البلدية ليست شرطة وليست هيئة أمنية ولكن بإمكانها الاستناد على القوانين الواضحة لمنع الجرائم قبل وقوعها. ومن يظنّ أنّ جريمة قتل المرحومة ميرفت هي آخر الجرائم فهو واهمٌ كلّ الوهم. إنّ "زعران الليل" كثيرون في شفاعمرو وهم يتجوّلون بلا رادع في جميع أحياء المدينة. كما أنّ انتشار السلاح في شفاعمرو لم يعد خفيًا على أحد. فظاهرة القروض الخاصة من "السوق السوداء" باتت ظاهرة مألوفة في شفاعمرو، حيث يستغلّ هؤلاء ضائقة المواطنين فيغرونهم بقروض "دسمة" مع فوائد مضاعفة غير قانونية، سرعان ما يعجز المُستدين من سداد دينه، والنتيجة كارثية.. إطلاق نار وترويع وتهجير وأكثر من ذلك بكثير، وجنود العصابات معروفون لدى المواطنين ولدى الشرطة أيضًا. هل تعلمون أن العشرات من أصحاب المحلات التجارية في شفاعمرو أصبحوا تحت رحمة شركات القروض؟ أو دعونا نسأل سؤالًا آخر بجدّية كاملة: هل ما نطرحه الآن هو بمثابة تجديد لمعلوماتكم؟ إنّنا نكتب ما تفكّرون به ولكنّنا نفضّل السكوت. نسكت إلى حين نكون نحن أو أبناؤنا في لبّ المشكلة أو الورطة.
حيّ الميدان، أكثر الأحياء أمانًا في المدينة، أهله يعرفون بعضهم البعض منذ جيل الطفولة، الطيبة والاحترام والتربية الصالحة وخصال أخرى شكّلت صمّام الأمان لأهل هذا الحيّ، شأنه بذلك شأن أحياء عديدة في شفاعمرو، ولكن اسمحوا لنا أن نتحدّث عن هذا الحيّ لأنّ الجريمة البشعة قد حصلت في هذا الحي. لقد تلقينا هذا الأسبوع شهادات حيّة تؤكّد أنّ هذا الحيّ لم يعد كما كان. لقد تورّط عدد من شباب هذا الحيّ في الديون "الرمادية" . وبدأ جنود الجباية بالدخول إلى هذا الحيّ، ناهيك عن مظاهر دخيلة ووجوه مريبة غير مألوفة بدأت تشكّل مشهدًا جديدًا في الحيّ وأمور أخرى لن نتمكّن من نشرها قبل التأكّد من صحّتها، فلا يأتي أحدٌ اليوم ليقول إنّ الفجر تبالغ في طرحها هذا، لأنّنا لو كتبنا في السابق أنّ مجرمًا جبانًا سوف يقتحم بيتًا آمنًا في أطراف حيّ الميدان ويقتل الأمّ الفاضلة الّتي وقفت لتحول بين السفّاح وأبنائها لما صدّقنا أحد، فدعونا نقول إنّنا لا نعرض إلّا جزءًا من الواقع المرير. وعلى البلدية أن تستخدم كلّ صلاحياتها من أجل حماية مواطنيها قبل فوات الأوان.
كما أنّنا قد أثرنا مسألة الحراسة في مدارسنا في أكثر من مناسبة، وقبل ما يزيد عن الشهر نشب شجار دموي بالقرب من إحدى المدارس، ولولا لطف من الله لكنّا قد شهدنا مأتمًا لأحد زهراتنا. فلماذا لا تقوم البلدية بتعيين حارس مؤهل ومسلّح على بوّابات ومداخل مدارسنا؟ ماذا تنتظر؟ من المؤسف جدًا أن أهالي طلاب شفاعمرو لا يأبهون بمصائر أولادهم! إنّنا نستحلفكم بالله العظيم أن تزوروا مدارسنا الشرقية في أيّام السبت لتشاهدوا العابثين الّذين يطاردون بناتنا من خلال المعاكسات والمشاكسات باستخدام ألفاظ حقيرة تسمعها بناتنا وتتجاهلها حياءً أو منعًا لإشعال شجارٍ يخدش سمعتها وسمعة أهلها. حتّى أنّ أحد المتحرّشين قام بدهس إحدى الطالبات عمدًا بالقرب من إحدى المدارس. فلماذا هذا الصمت أيّها النائمون؟ لماذا هذا الصمت أيّها المتقاعسون؟ والله إنّكم لن تتحركوا إلّا عند حدوث مصيبة وعندها سوف تندمون يوم لا ينفع الندم.
رحم الله فقيدتنا الغالية الأصيلة ميرفت زيدان أبو جليّل، المرأة المُكافحة الّتي نسأل الله أن يحتسبها شهيدة لأنّها قُتلت وهي تدافع عن بيتها، ويكفينا عزاءً ما جاء في موعظة الشيخ عبدالله عيّاشي، الّذي لاقت كلمته وقعها المؤثّر في أفئدتنا وأفئدة ذويها، فأمّ نصرات انتمت لعائلة شفاعمرية كريمة، عرفناها عن قرب وعرفنا والدها الطيّب المرحوم أبا زيدان وعرفنا إخوتها الّذين يتحلون بالسمعة الطيّبة ودماثة الأخلاق. ونسأل الله أن يكون هذا الحدث الجلل درسًا لنا جميعًا وصحوة لضمائرنا، لندرك أنّنا لسنا بأمان حتّى في بيوتنا، ولعلّ المسؤولين يتحرّكون في اتّخاذ ما هو صواب لحماية أهل شفاعمرو من براثن العابثين. ولعلّنا الآن ونحن نلوك بذور هذه المأساة نراجع أنفسنا في تربيتنا لأبنائنا من جهة ونقاوم كلّ معتدٍ أثيم ولا نخشى في الله لومة لائم...
 
اضف تعليق
الاسم الشخصي :
البريد الالكتروني :
الموضوع :
التعليق :
حكمة اليوم
لا تسأل الطغاة لماذا طغوا ،بل اسأل العبيد لماذا ركعوا
جريدة الفجر الساطع
خبر في صورة