ميري ندّاف وانتهاء الصلاحية/االفجر
13/5/2016 7:40

 لا تزال وزيرة الثقافة والرياضة في حكومة نتنياهو ميري ريجيف منشغلة في تقديم اقتراحات لقوانين عنصرية ضدّ العرب، تهدف إلى طمس الهوية العربية والذاكرة الجماهيرية لأبناء شعبنا الّذين بقوا صامدين في أرضهم على الرغم من كلّ ما أصابهم من مآسي وويلات. وهذه الوزيرة- الّتي لا تمتَ للثقافة بصلة- تكره العرب بشدّة وترى أنّ التهديد الأكبر الّذي يقف في وجه إسرائيل ليس كامنًا في جيوش الدول العربية، لأنّ صلاحية هذه الجيوش قد انتهت منذ عقود! وليس كامنًا في التهديد النووي الإيرانيّ لأنّ الزعامة الروحية في إيران لا ترى في إسرائيل عدوًا مباشرًا ولكنّ ميري ريجيف ترى في نموّ الثقافة العربية والهوية الفلسطينية في صفوف عرب البلاد خطرًا يهدّد وجود دولة إسرائيل. لذلك بادرت ريجيف إلى سنّ قانون يربط بين دعم الجمعيات وولائها للدولة وقانون يلزم المؤسسات الثقافية الّتي تحصل على دعم حكومي برفع العلم الإسرائيلي. وقد تمّ الحديث عن القانون الأخير عشية يوم استقلال دولة إسرائيل. ويبدو أنّ ميري قد بدأت "تهلوس" لأنّ من يستمع إليها يظنّ أنّ بلداتنا العربية تعجّ بالمؤسسات الثقافية والفنّية والرياضية. فما قدّمته وتقدّمهحكومة إسرائيللمدنناوبلداتناوقراناالعربية لا يليق لدولة تصنّف نفسها كدولة غربية ديموقراطية متطوّرة. إنّ ما تقدّمه الحكومة بشكل غير مباشر عن طريق "مفعال هبايس" لا يلبي احتياجات المواطنين العرب حتّى إنّه لا يتلاءم مع الزيادة السكّانية في الوسط العربي. وما يقدّمه "مفعال هبايس" أصلًا هو ردّ للملايين الّتي يشارك فيها المواطنون العرب في المراهنات الرياضية. ففي حالة قام العرب بمقاطعة هذه المراهنات فإنّ مفعال هبايس سوف يخسر الكثير، أيّ أنّ للعرب مساهمة كبيرة في تمويل مشاريع مفعال هبايس، وطبعًا دون الحديث عن مساهمة العرب في ملء خزينة الدولة من خلال الضرائب "الثقيلة"، فماذا تريد منّا الوزيرة ريجيف؟

ليس هناك أدنى شكّ أنّ ما أوصل ميري ريجيف إلى هذه الدرجة "المرموقة" في الحكومة الإسرائيلية، هو مواقفها المُعادية للعرب، وانجرارها خلف الأصوات اليمينية العنصرية. ويبدو أنها لا تفقه شيئًا في أمور الثقافة، فكلّ تصريحاتها مسيّسة إلى درجة لم تعد الصحافة العبرية تميّز بينها وبين وزارات أخرى. فلا ثقافة في تصريحاتها ولا ثقافة في أدائها. إنّها مجرّد مدّعية لم تسمع يومًا عن تشيخوف وتولستوي وماركيز وغيرهم من روّاد الأدب العالمي. هي لا تعرف إلّا ثقافة واحدة. ثقافة كراهية العرب!
وكانتريجيف قد اختارت عرّاب تجنيد الشباب المسيحيين العرب ندّاف ليضيئ شعلة الاستقلال. وقد عدّدت ريجيف "الخصال الوطنية الطيبة للأب ندّاف"، ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان. فقد نشرت القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي تقريرًا مصوّرًا يظهر فيه ندّاف وهو يدعو إلى تلقي الرشاوى نظير استصدار تصريحات عمل لشباب من الضفة الغربية. ولكنّ الغريب أنّ عرّاب التجنيد يتحاور مع شباب مجنّدين بلغة جنسية فاضحة تظهره وكأنّه شاذّ جنسيًا. وقد سقط ندّاف في امتحان جهاز كشف الكذب. ثمّ تمّ تقديم شكاوى عديدة ضدّ ندّاف وشهادات تؤكّد صدق ما جاء في تقرير القناة الثانية.
عرفنا ندّاف شخصًا يتستّر بثوب الدين لإخفاء طينته الرديئة وطنيًا، والآن تأكّد لنا على نحوٍ لا يقبل الشكّ أنّ من يسقط وطنيًا فإنّه سيسقط أخلاقيًا. وقد سقط ندّاف على جميع المستويات ولكنّنا لم نكن نتوقّع أن يسقط إلى الدرك الأخلاقي الأسفل. لقد سقط ندّاف لأنّه إنسان بلا مبادئ ولا قيم وسقط أيضًا لأنّ صلاحيته قد انتهت، وإلّا ما كان تقرير القناة الثانية سيظهر قبيل قيام ندّاف بإشعال شعلة الاستقلال. ولكنّ ما يُثير العجب أنّ وزيرة الثقافة- المثقفة جدًا- استمرّت في الدفاع عنه وكأنّ شيئًا لم يكن.
لقد كنّا في الفجر من الصفّ الأول لمناهضة الفكر الندّافي وعرفنا أنّ هذا الشخص البائس سوف يسقط لا محالة. كما قام إخوتنا في التجمّع بالتصدّي لهذا الفكر المُريب. حتّى أنّ رئيس التحالف الوطني السيّد مراد حدّاد قد حوكم في إحدى القضايا عندما تصدّى لندّاف، وهذه وقفة مشهودة لحدّاد وللتجمّع. وعلينا أن نتعلّم درسًا من كلّ ما حصل وهو أن لا نخاف في "حربنا" على وجودنا. فأمثال ندّاف أضعف ممّا قد يتصوّره البعض. ولكنّ ندّاف لم يكن وحيدًا فهناك من يتبنى فكرًا انسلاخيًا خطيرًا ويدعو إلى فصل المسيحيين عن إخوتهم العرب وإنشاء قومية آرامية جديدة. ويقف على رأس هذا المشروع شخص يدعى شادي خلّول. وهو نفس الشخص الّذي تدخّل علانية في قضية مدرسة البصلية، فقمنا بالتصدي له على نحوٍ لم يرق لبعض الإخوة في شفاعمرو. ويبدو أنّه من الآن فصاعدًا فإنّنا سوف نسمع اسم خلّول كثيرًا، لأنّه كما يبدو سوف يحلّ مكان ندّاف الّذي انتهت صلاحيته.ومهما يكن من أمر فعلينا أن نكون متيقظين جدًا للمرحلة القادمة، فمسألة التجنيد التطوّعي هي مسألة خطيرة جدًا تهدف إلى إثارة القلاقل بين أبناء الشعب الواحد. والحقيقة أنّ الخطاب الندّافي لم ينطلِ على السواد الأعظم من أهلنا المسيحيين الّذين يرون في أنفسهم جزءًا لا يتجزّأ من هذا الشعب وهذه الأرض. فالغساسنة كانوا من العرب الأقحاح الّذين أسّسوا مملكة وحضارة في بلاد الشام، كما أنّ للمسيحيين العرب دور مهمّ في نشر الحضارة العربية الّتي ما كانت لتسود، لولا روح التسامح الّتي كانت بمثابة المحرّك الّذي جعل من العرب سادة للدنيا. ونحن على يقين أنّ الرسالة الّتي وصلت لندّاف ستصل إلى الّذي سيحلّ محلّه. ولكنّ السقوط والهوان والذلّة ستكون بانتظار كلّ من يحاول النيل من وحدتنا.
إنّنا نرى أن الحكومة الحالية هي أكثر الحكومات تطرّفًا وعداءً للعرب، وتصريحات الوزيرة "المثقفة جدًا" تتماشى مع الخطاب العامّ لهذه الحكومة ومن المتوقّع أن تستمرّ موجة التحريض على العرب من قِبل ريجيف وغيرها. كما أنّنا لا نعوّل على دخول "المعسكر الصهيوني" وبهاليله إلى الحكومة، لأنّ التاريخ قد علّمنا أن لا فرقَ بين الأحزاب الصهيونية، سواء كانت على يمين الخارطة السياسية أو على يسارها. أمّا أعضاء الكنيست العرب فقد أثبتوا عجزهم وفشلهم في أكثر من مناسبة. وهم أبطال على صفحات التواصل ليس أكثر. ونحن لا نطالبهم بالردّ على التفوّهات العنصرية لريجيف وغيرها، لأنّنا كما ترون نقوم بالردّ عليها في أيّ وقت نريد. ولكنّ المطلوب من أعضاء الكنيست العرب، أن يقوموا بخطوات عملية لخدمة الجماهير العربية الصابرة على نحوٍ يتماشى مع روح العصر وتحدياته. لأنّنا بدأنا نشكّ أنّ معظم النوّاب العرب ليسوا قادرين على مجاراة نظرائهم من النوّاب اليهود وعليه وجب استبدالهم لأنّ صلاحيتهم قد انتهت أيضًا.
إنّ "مزبلة التاريخ" واسعة وسوف تتسّع لكلّ من خان أو تخاذل. والوعي السياسيّ العامّ لدى الجماهير العربية قد ارتقى نتيجة لعدّة عوامل، من أبرزها الانكشاف الكبير على وسائل الإعلام المُختلفة. ولن يكتفي شبابنا بما يُقدّم لهم من قيادتهم "البائسة". وسوف نكون بخير في كلّ الأحوال، إذا تغلّبنا على "الشبح الطائفي". وسقوط ندّاف هو فاتحة خير لتعزيز الوحدة الوطنية، ومزبلة التاريخ ترحّب بزائريها...
 
اضف تعليق
الاسم الشخصي :
البريد الالكتروني :
الموضوع :
التعليق :
حكمة اليوم
رمضان كريم
جريدة الفجر الساطع
خبر في صورة