عذرًا أيّها السادة، لم ننتخبكم من أجل ذلك!
19/6/2016 12:22

إنّ  أداء أعضاء الكنيست العرب في البرلمان الإسرائيلي أصبح خليطًا من المواجهات الصورية ومشاركات الفيس بوك. إنّ تقييم النوّاب العرب يجب أن يكون مجرّدًا من العواطف والأفكار المُسبقة، فالمسألة لا علاقة لها بالمجاملات العربية في الوقت الّذي يعاني فيه أبناء شعبنا في الداخل من سياسة التمييز والعنصرية والإقصاء، كما أنّ الأجواء العامة السائدة تحتّم على النوّاب العرب أن يتحلوا بقدر كبير من المهنية والمسؤولية. وكما قلنا في أعداد سابقة فإنّ كفاءة الأعضاء لا تُقاس بعدد شارات الإعجاب في موقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك، بل بعدد اقتراحات القانون الّتي يقدمها النواب. ولسنا بحاجة إلى مشاهدة مقاطع الفيديو عبر الشبكات الاجتماعية لنرى ونسمع ما قاله العضو الفلاني للوزير الفلانيّ!  عذرًا أيّها السادة، لم ننتخبكم من أجل ذلك.

كنّا قد تابعنا مؤتمر حزب التجمّع الديموقراطي الأخير، ولاحظنا أمورًا إيجابية في المؤتمر الّذي أكّد على الثوابت الوطنية وتعزيز سبل النضال العادل من أجل تحصيل الحقوق. غير أنّ أبرز ما أعجبنا في هذا المؤتمر هو انتخاب شخصيات شابة في المؤسسات المختلفة الّتي تكوّن هذا الحزب. وهذه بادرة خير إذا تمّ استثمارها بشكل يتناسب مع تطلعات هذا الحزب. ومن المفروض أن يفكّر قادة الحزب بشكل جدّي في إدخال وجوه شابة إلى الكنيست، لأنّه من غير المنطقي أن يشغل نفس الأشخاص نفس المناصب لأكثر من عشر سنوات، لأنّ في ذلك استخفافًا بعقول الكوادر والمؤيدين. ويبدو أنّ أنماط العمل السياسي والقيادي لدينا لا تختلف كثيرًا عمّا يجري في الدول العربية، حيث لا يتنحى الحاكم عن كرسيه إلّا عندما يموت أو يثور عليه الجيش أو يتآمر عليه المقربون. إنّ ما كان في مؤتمر التجمع من إنجاز للقوى الشبابية لن يكون له أيّ تأثير إلّا إذا تُرجم بإحداث تغيير في قيادة هذا الحزب.

إنّ الرأي السائد لدى معظم الناس هذه الأيّام أنّ النوّاب العرب لا يقومون بواجباتهم تجاه منتخبيهم وأنّه يتقاضون رواتب ضخمة على حساب فئات الشعب المقهورة، كما أنّهم يحصلون على ميزانيات وامتيازات لا يستفيد منها إلّا المقرّبون من هذا العضو أو ذاك. والحقيقة إنّ التعميم ظالم في مثل هذه الحالات، مع أنّ ما نراه لدى معظم الأعضاء يثير لدينا العديد من التساؤلات. ففي الانتخابات الأخيرة الّتي أجبرت أعضاءنا على الوحدة رغمًا عنهم- بسبب رفع نسبة الحسم-  حصلت القائمة المشتركة على ميزانية ضخمة لتمويل الدعاية الانتخابية، وقد قدّرت تلك الميزانية بالملايين، ولكنّ الحملة الدعائية للقائمة المشتركة كانت باهتة وشحيحة فأين ذهبت الملايين إذن؟ هذا السؤال حاولنا طرحه لبعض المقربين من الأحزاب الفاعلة ولكنّنا لم نحصل على إجابة مقنعة، وهكذا تتبلور لدى الجماهير العربية أفكار سلبية تجاه ممثليهم في الكنيست،  لتعود الصورة النمطية للزعيم الّذي لا يهتمّ إلّا لشؤونه الخاصة، ضاربًا بعرض الحائط كلّ الوعود الّتي كان قد قطعها على نفسه. وهكذا يتمّ هدم جدار الثقة بين الجماهير العربية وقيادتها الّتي لم تقدّم شيئًا ملموسًا حتّى اليوم.

والسؤال الّذي نعود لطرحه في كلّ مرة: لماذا ننتخب ممثلينا؟ من الواضح أنّ التمثيل السياسي في كلّ مكان يعني بالدرجة الأولى طرح قضايا المواطنين وإيصال صوتهم إلى أصحاب القرار من أجل ضمان حياة كريمة دون ظلمٍ وتمييز وإجحاف. وهذا بالضبط ما عجز عنه نوّابنا العرب، الّذين نسوا أو تناسوا دورهم الأساسيّ، فجلّ ما يقومون به هو استعراضات بائسة وتلاعبات بالألفاظ من خلال خلط العربية بالعبرية واختراع مصطلحات جديدة قد تبهر وسائل الإعلام الّتي تبحث عن ذلك! ولكن المواطن يبقى أسيرًا لا يعرف إذا ما كان قد تمّ نقل صوته فعلًا أم أنّ الأمر برمّته قد انحصر بخطاب استعراضي من على منصة الكنيست؟

ويبدو أنّ النوّاب الحاليين قد أصيبوا بعدوى الفيس بوك من رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الّذي يطلّ علينا بمشاركات فيسبوكية على مدار ساعات النهار، وقد نجح فعلًا في تقريب شباب اليمين منه مبررًا كلّ التصريحات بتفسيرات لا تعبّر بالضرورة عن حقيقة ما يجول بخاطره. ولدينا نائب عربي نشيط فيسبوكيًا، لا يترك موضوعًا إلّا ويعلّق عليه، فنراه زعيمًا ومناضلًا من جهة ومذيعًا ومحلّلًا للأخبار من جهة أخرى، ولو تتبعنا نشاطه في الكنيست ووتيرة حضوره للجلسات وتقديمه لمقترحات قوانين وعدد الاستجوابات الّتي يقوم بها، لوجدنا أنّه أقلّ أعضاء الكنيست العرب نجاعةً، مع أنّه في الظاهر يبدو أكثرهم نشاطًا! فإلى متى سينتهي مسلسل "الضحك على الذقون"؟ متى سيعرف النوّاب العرب أنّ الجماهير العربية ليست ساذجة؟ سيعرفون ذلك حتمًا عندما سيصوّت العرب بأرجلهم وعندما يقاطعون الانتخابات فلا تتمكّن الأحزاب العربية من تجاوز نسبة الحسم.

ما فائدة وجود نوّاب عرب في الكنيست والحكومة الإسرائيلية ماضية في تنفيذ سياسة التضييق وهدم المنازل ومصادرة الأراضي؟ لقد زاد عدد النوّاب العرب في الانتخابات الأخيرة وازدادت هموم ومشاكل العرب في هذه البلاد. ولو عمل هؤلاء بمهنية لكان حالنا أفضل بكثير، ولكن حبّ الظهور وكراهية المنافس جعلت من وجودهم بلا قيمة أو فائدة. ما دام نوّابنا العرب قد أدلوا بقسم الولاء فلماذا لا يقومون بالعمل بمهنية خالصة، كأن يتقدّم عضو عربي على سبيل المثال بتقديم اقتراح قانون بمشاركة عدد من أعضاء الكنيست اليهود حتّى لو لم يكن هناك انسجام بينهم، ما دام الهدف هو خدمة المواطنين العرب؟ إنّ العمل البرلماني يتطلّب أن يتجرّد العضو من المزاودات والشعارات الرنانة الّتي لا تفيد.

إنّنا نرى أنفسنا جزءًا من الشعب الفلسطيني والأمة العربية، ونحن نتضامن مع قضيتنا بكلّ الأشكال المُتاحة خاصة في المجال الاقتصادي، ففي الأسابيع الماضية شهدت أسواق الضفة الغربية حضورًا كبيرًا لأهلنا من الداخل، وهكذا تمّ دعم شعبنا بملايين الشواقل دون الحاجة لاجترار شعارات المزاودة السياسية. ما نريد أن نقوله هو إنّه من السخف التذرّع دائمًا بالقضية الفلسطينية للتغطية عن التقصير في العمل البرلماني. نعم نريد من أعضائنا أن يساندوا قضية شعبهم ولكن في نفس الوقت عليهم أن يكونوا أهل ثقة وعند حسن ظنّ من وضع ثقته بهم.

أيّها الأحبة، نعود ونؤكّد أنّنا لا نتحدّث عن كلّ النوّاب العرب، ونحن نشهد أنّ هناك أعضاء يقومون بكلّ ما أوتوا من قدرات لخدمة ناخبيهم ولكنّ هؤلاء قلّة، وهذه الحالة مردها إلى انعدام وجود لجان مراقبة مهنية داخل الأحزاب. لذلك فقد استغلّ عدد كبير من الأعضاء مناصبهم من أجل تحقيق مكاسب شخصية بدون حسيب أو رقيب والامثلة على ذلك كثيرة، خاصة عندما نرى أنّ أحدهم رفض التفريط بالكنز -بكسر الكاف- فقام بترشيح نسيبه كي لا يذهب "الخير" خارج العائلة! فهل من سخرية واستخفاف بعقولنا أكثر من ذلك؟

إنّنا نطالب الأحزاب العربية بإجراء إصلاحات داخلية فورية، وإدخال عناصر شابة إلى القيادة، فالأحزاب الّتي لا تتجدد تهرم وتشيخ ويعمّها الفساد من كلّ جانب. وفي حالة إصرار نوّابنا على الاستخفاف بنا فسنكون أمام خيارين: إمّا أن نقاطع وإمّا أن ندعو لتشكيل حزب عربيّ حقيقيّ يرعى شؤوننا ويسهر على مصالح الجماهير العربية في البلاد. 

اضف تعليق
الاسم الشخصي :
البريد الالكتروني :
الموضوع :
التعليق :
حكمة اليوم
رمضان كريم
جريدة الفجر الساطع
خبر في صورة