محمود صبح يدخل المغارة ويسحر قلوبنا وعقولنا بـ " المغارة السحرية"
6/4/2017 17:37

التقيته مرات عديدة وفي مناسبات مختلفة كان له الباع والذراع في تنظيمها، ومن ثم تعرفت إليه كاتبا مسرحيا فذا ومخرجا من الدرجة الأولى، نال الجوائز عن أعماله بجدارة.  لا أخفيكم إعجابي بشخصه وعمله على الرغم من عصبيته وعناده المعهود. فعناده هذا أوصله إلى بناء وإقامة أول فرع لتعليم المسرح والدراما في المدارس الثانوية العربية، ويكفيه فخرا انه يعمل من اجل الأجيال القادمة بنظرة مستقبلية ثاقبة.

تابعت أخباره وأعماله من خلال النشر الصحفي أو مواقع الشبكة العنكبوتية، وكنت شديد الحرص على الاتصال به مهنئا كلما عرفت عنه معلومة أو قام بإنجاز، وكان بين الحين والآخر يأخذ بنصيحتي في بعض أموره العملية.

كان لقائي به يوم العرض الاحتفالي لمسرحية المغارة السحرية في اشكولبايس شفاعمرو، حيث توافد الجمهور كبارا وصغارا وعلى رأسهم رئيس البلدية السيد امين عنبتاوي والكثير من المربين والفنانين الذين لبوا دعوة مؤسسة الأفق بإدارة الفنان عفيف شليوط والتي أشرفت على انتاج المسرحية. وكان أبو هاني قد دعاني للمشاركة فلبيت الدعوة كعادتي. وكعادته كان محمود صبح هناك يحمل عصاه التقليدية ويقود اوركسترا هذه المناسبة.

والمسرحية عبارة عن صياغة جديدة لقصة علاء الدين والفانوس السحري من قصص ألف ليلة وليلة، قام الكاتب والمخرج بكسر المألوف والخروج عن القواعد فاختلط الحاضر بالماضي بأسلوب مميز وذوق رفيع حيث انقلبت القوة الكامنة بالفانوس ضد مالكها وأصبح علاء الدين عبداً "للجني" بدل أن يكون سيداً له، فتنقلب الموازين ويضطر علاء الدين لتعلم فنون السحر ليرضي غرور الجني بمساعدة الأميرة ياسمين التي كانت سجينة في قبو الوزير طاغور، إلا أن قصة الحب التي يعيشها علاء مع الأميرة كانت كفيلة بالتغلب على الجني وتمزيق قواه ليكملا الدرب معا بحب وإخلاص "ويعيشوا بثبات ونبات ويخلفوا صبيان وبنات ".

للوهلة الأولى يظن المشاهد انها مسرحية عادية للأطفال فيها عناصر درامية وصراع بين الخير والشر ليفوز الخير في النهاية. ولكن التعمق بهذه الصيغة والشكل والأداء يأخذنا الى عالم آخر من الدهشة والاستغراب والمتعة المرئية والسمعية أجبرتنا على التزام مقاعدنا ساعة كاملة دون حراك بل حفزتنا على المشاركة الفعالة في بعض المواقف وكل ذلك يعود الى حنكة الكاتب وعبقرية المخرج. كعادته لا يهمل محمود صبح التفاصيل الصغيرة الدقيقة مستغلا ومستعملا كل ما توفر لديه من أدوات لغة المسرح لنعيش معه حالة من الفرح والتطهر.

فكما علمت لاحقا بانه هو من قام بتصميم الديكور بل أشرف بنفسه على بناءه بتقنياته ثلاثية الابعاد لينقلنا من خلال المكان الى عالم مسحور وقد اختار بنفسه المؤثرات الموسيقية لتضعنا في أجواء ألف ليلة وليلة من خلال أوبرا شهرزاد للموسيقي الروسي الكبير "ريمسكيكورساكوف"، ولم يفاجئني أحد الممثلين بقوله ان محمود كان حاضرا في تسجيل الأغاني بل وقف أيضا على التوزيع واختيار الآلات العازفة. ولا بد هنا من الإشارة ان الفنان زيوار بهلول قام بتلحين رائع للأغاني وقام بالتوزيع الموسيقي صاحب الذوق الرفيع الفنان معين شعيب.

 لقد راوح أبو الصبح في إخراجه للمسرحية بين الفنتازيا من جهة وبين أسلوب ما بعد الحداثة لينقل لنا رسائل اجتماعية أحيانا وسياسية في أماكن متعددة من خلال اختيار تبدل شخصية "الجني" بين البدائية والحداثة. وهنا لابد لي من الإشارة الى الحرفية العالية التي أدى بها نور الدين مغربي دور الجني برهان، فقد احببناه على الرغم من كونه شخصية شريرة في المسرحية. اما الفنان نعمة خازم في دور علاء الدين، فقد اثار دهشتنا بأدائه الرائع والمتميز لذلك الفتى الشقي الذكي ومجابهته لأعباء الدنيا، وكذلك بألعاب الخفة والسحر التي قام بها كجزء فاعل في سياق العرض. واما الاميرة ياسمين – صفاء حتحوت، فقد وصمت في قلوبنا عشق الحرية والعودة الى الذات فكان اداؤها ناعما سلسا لا يخلو من نعومة الاميرة والعشق وقوة العزم والسلطة.

لقد أضاف محمود صبح لبنة أخرى في قصر إبداعاته. وقد سرني كثيرًا ثناء الحاضرين على رقي المستوى وحبهم للعمل.هكذا أنت يا عزيزي محمود، توصل الرسالة بحرص وعناية، تؤد الأمانة بأمانة.

هذه المسرحية من انتاج مسرح الأفق بإدارة الفنان عفيف شليوط، وتجدر الإشارة الى المجهود الكبير والتكلفة العالية التي انتجت عملا مسرحيا راقيا نباهي به بين أرقى المسارح محليا ولا ابالغ ان قلت قطريا. ولا استغرب تدفق طلبات عرض المسرحية في أماكن مختلفة حتى وصل صيتها الى مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية بعد ان شاهدها مندوبو وزارة الثقافة وعلى رأسهم الشاعر محمد حلمي الريشة، رئيس تحرير مجلة مشارف، ورئيس بيت الشعر الذي انبهر فيها نصا واخراجا.

وأخيرا همسة في اذن عزيزي محمود،لا أحد يستطيع حجب الشمس التي تبهر البصر والبصيرة ... ليبق نورك ساطعا وإبداعاتك متلألئة فأنت ذخر لأبناء شعبك وهنيئا لشفاعمرو بك.

 

سرور أبو سنة - الناصرة

اضف تعليق
الاسم الشخصي :
البريد الالكتروني :
الموضوع :
التعليق :
حكمة اليوم
المرأة تضحك عندما تقدر، وتبكي عندما تريد.
جريدة الفجر الساطع
خبر في صورة