حمد طربيه.. القبطان القادر على الرسوّ بسفينتنا
23/7/2017 12:54

تناولت وسائل إعلام محلية مسألة تردّي نتائج البجروت في المدارس الثانوية البلدية، وهناك من أراد تحقيق نقاط سياسية لصالحه، وهناك من كانت له مآرب أخرى. ولكنّ التحليل المُعمّق لهذه الحالة كان غائبًا. والحقيقة أنّنا لم نتفاجأ من هذه النتائج، لا بل كنّا قد تنبّأنا بها، فظاهرة هجرة الطلاب من أحياء معيّنة إلى مدارس عبلين بشكل خاص أثّرت بشكل سلبيّ جدًا على الشاملتين "ب" و "ج". ولم تؤثّر على الشاملة "أ" لأسباب تناولناها في افتتاحية سابقة، فطلابنا من أبناء الطائفة الدرزية لا يتوجّهون للتعليم في مدارس خارج شفاعمرو إلّا في حالات خاصة جدًا، والحق يُقال إنّهم يشعرون بانتماء للشاملة "أ" لأسباب اجتماعية وسيكلوجية. وهذه ظاهرة مثيرة للاهتمام والبحث. أمّا طلابنا المسيحيون فهم أوّل من خرج ليتعلّم في مدارس أهلية خارج المدينة، خاصة قبل افتتاح المرحلة الثانوية من الأسقفية، وفي زمن المشاكل الّتي سادت في هذه المدرسة، أمّا بعد تحسّن الأوضاع في هذه المدرسة فقد انخفضت ظاهرة توجّه الطلاب المسيحيين لمدارس خارجية. وتبقى المشكلة عند طلاب المدرستين الشاملتين "ب" و "ج". ونحن نتحدّث عن طلاب من أحياءٍ إسلامية، معظمهم يصنّفون ضمن خانة الوسط فما فوق، وجلّهم يحصلون على شهادة بجروت كاملة. ويبدو أنّ أهلنا من ذوي الطلاب المسلمين قد فقدوا الثقة بمدارس البلدية! وهذه الظاهرة يؤكّدها أحد مدراء المدارس الإعدادية الّذي سعى لافتتاح صفّ للطلاب المتفوّقين، إلّا أنّه لم يجد العدد الكافي لافتتاح هذه الصفّ، بسبب هجرة الطلاب المتفوّقين إلى مدرسة مريم بواردي، في الصفّ السابع. ولم نتوقّف عند هذا الحدّ، فتوجّهنا إلى أحد الإداريين البارزين في مدرسة مريم بواردي العبلينية الّذي أكّد لنا أنّ هناك ارتفاع كبير في عدد الطلاب الشفاعمريين الّذين سجّلوا للالتحاق بالمدرسة هذا العامّ، ليس فقط للصفوف السابعة بل لكافة الطبقات، وهم يضطرون لتصنيفهم بوسطة امتحان شامل. وهناك طلاب كثيرون لا يجدون مكانًا لهم في المدرسة.

هذه هي الحالة! ولا يمكن لأحدٍ أن ينكرها. وعلينا أن نقرّ أنّه لا توجد مدينة عربية يخرج منها هذا العدد الهائل من الطلاب ليتعلّموا في مدارس خارجية. وبما أنّ هذه الحالة آخذة بالانتشار دون توقّف فقد آن الأوان لعرض كلّ الأوراق على الطاولة. هناك أمرٌ جلل والبلدية غارقة في نومٍ عميق. وبعد أسابيع سيتمّ افتتاح السنة الدراسية وسوف تصدر البلدية بيانًا مفصّلًا حول جاهزية المدارس لاستقبال العام الدراسيّ الجديد. صورة في ساحة هذه المدرسة! وأخرى في مدرسة أخرى. مدراء سعيدون ومدراء "غلابة" مهمّشون. يتمّ التعامل مع المدارس وفقًا لاعتبارات لا تخلو من السياسة. ولكنّ كلّ ذلك لا يعنينا إزاء الحالة المتردّية لمدارس شفاعمرو، خاصة تلك الّتي تخدم الأحياء المهمّشة المظلومة. ونحن عندما نلقي المسؤولية على عاتق البلدية- وهذا حقّ مشروع- إلّا أنّنا لا نغفل عن دور الأهل والمعلّمين والمدراء. كلّ واحدٍ منّا يتحمّل جزءًا من هذه المسؤولية الثقيلة. وعلى مدارسنا أن تراجع أنفسها لتعرف أين وقع الخلل بالضبط؟ وهذا أمرٌ يحتاج إلى الشفافية لأنّ مستقبل أبنائنا على المحكّ!

إنّنا لا نستطيع أن ندعو أهالي الطلاب الّذين يتعلّمون في مدارس خارج شفاعمرو أن يعيدوا أبناءهم إلى مدارس المدينة في ظلّ الظروف المتردّية لمدارسنا، وإهمال البلدية لمدارس معيّنة. ولن نخوض في تفاصيل هذا الإهمال والنواقص الجمّة الّتي تعاني منها مدارسنا. ولن نخوض أيضًا في القطيعة ما بين رئيس البلدية ومديرة قسم المعارف، هذه القطيعة الّتي كان لها الأثر السلبيّ البارز على الجهاز التعليميّ بأكمله. كما أنّنا نحمّل المدير العامّ الأستاذ كمال شوفانية جزءًا كبيرًا من المسؤولية، ليس بحكم منصبه فحسب بل لأنّه أتى من خلفية تربوية، ويعرف الكثير من الأمور والخفايا المتعلقة بالعملية التعليمية. ويبقى رئيس البلدية المسؤول الأكبر عن الجهاز التعليميّ. لكي نعيد الطلاب إلى مدارسنا علينا أن نعيد الثقة للأهل وهذا الأمر لن يتمّ إذا لم يتمّ التحرّك على الفور.

لقد كانت الأوضاع التعليمية قبل سنوات أفضل بكثير ممّا هي عليه اليوم. ويعود الفضل لذلك لإنسان مهنّي مسؤول أحبّ مدينتنا وعمل بإخلاص من أجل رفع شأنها ورفع مكانة التعليم في نفوس أهلها. إنّنا نتحدّث عن المفتّش الفذّ الدكتور حمد طربيه، هذا الرجل الّذي عمل وفق رؤيا تربوية شاملة عزّزها بخطة عملٍ مهنية شارك فيها كلّ رجال التربية والتعليم في المدينة. لم تشهد مدينة شفاعمرو في تاريخها ما شهدته زمن طربيه. ثورة تعليمية هادرة في كلّ مستويات التعليم ومساراته. رعاية كاملة لكلّ فئات الطلاب على اختلاف مستوياتهم. تحوّلت مدارسنا لخلايا نشطة تتمّ فيها بلورة المضامين والأسس التربوية. فكانت النتائج رائعة في الامتحانات القطرية والدولية. وإن كنّا لا نعتمد فقط على ذلك، إلّا أنّ الأرقام لا تزال هي المقياس الأبرز للتقييم والتقويم. وفي زمن الدكتور حمد تمّ تطوير الطواقم التربوية من خلال عمل مكثّف. حيث ألزم طربيه المدراء بمرافقة تأهيل الطواقم، وألزم كلّ المركّزين بلقاءات أسبوعية مضنية مع أكاديميين من الحقل التربويّ. دورات ومؤتمرات لا أوّل لها ولا آخر. وتمّ إدخال برامج ومسارات تعليمية جديدة، ولعلّه من الواجب أن نتوّقف عند خطّة "تقليص الفجوات"، هذا البرنامج الرائد الّذي ساهم إلى حدّ بعيد في رفع نسبة استحقاق البجروت في كلّ مدارس شفاعمرو.

وإلى جانب كلّ ذلك فقد كان الدكتور حمد طربيه نصيرًا للمدراء والمعلّمين، وقدّم لهم كلّ المساعدة في التوجيه والدعم، وكان يتمتّع بشخصية مرحة وروح دعابة تبدّد كل أنواع التوتّر. ولكنّه لم يكن يتهاون في المصالح العليا. ولم يكن يهدأ له بال إلّا عند إنجاز المهامّ المطلوبة على جميع الأصعدة. وكان هذا الرجل يملك مقدرة كبيرة على الإقناع، فتمكّن من استغلال ذكائه في إقناع البلدية بإدخال برامج تربوية رائدة على الرغم من الميزانية الكبيرة المنوطة بذلك.

وإنّنا عندما نشيد بخصال الدكتور حمد طربيه، فإنّنا لا نقلّل من شأن باقي المفتّشين الّذين أتوا من بعده، وذلك لأنّهم أتوا في مرحلة انتقالية عصيبة. وتقع المسؤولية على ما نحن فيه على المسؤولين الكبار في البلدية لا عليهم. ونحن نرى أنّ مسألة التربية والتعليم ليست مسألة سياسية بل هي فوق السياسة وفوق كلّ الاعتبارات. وعلى الجميع أن يتجنّد من أجل إنقاذ الجهاز التعليميّ في المدينة، سواء كان في خانة الإدارة أو المعارضة، فالواجب يحتّم علينا أن نتوحّد الآن، قبل أن نخسر مدارسنا وطلابنا إلى الأبد.

إنّنا نقترح على بلدية شفاعمرو الاستعانة بتجربة الدكتور حمد طربيه واستقدامه ليكون مستشارًا مباشرًا لرئيس البلدية للقضايا التعليمية، ومنحه صلاحيات خاصة لإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل سنوات. فالدكتور حمد طربيه يتمتّع بخبرات هائلة في هذا المجال، والأهمّ من كلّ ذلك أنّه يعرف الجهاز التعليميّ لدينا عن قرب، وهذا سيتيح له العمل بنجاعة. فلسنا بحاجة إلى لجان فحص ولسنا بحاجة إلى سجالات وكيل التهم لبعضنا البعض. ما نحتاج إليه هو خطوات عملية يقودها شخص بمكانة وكفاءة الدكتور طربيه تنقلنا إلى برّ الأمان. والدكتور حمد هو شخص حياديّ لا علاقة له بالسياسة المحلية لا عن قريب ولا عن بعيد. والأهمّ من كلّ ذلك أنّه يحبّ شفاعمرو... 

اضف تعليق
الاسم الشخصي :
البريد الالكتروني :
الموضوع :
التعليق :
ابو انس
23/7/2017 15:04
حكمة اليوم
لا تسأل الطغاة لماذا طغوا ،بل اسأل العبيد لماذا ركعوا
جريدة الفجر الساطع
خبر في صورة