شفاعمرو تبكي وردتها الزاهية
27/10/2017 6:38

 ودّعت مدينة شفاعمرو ابنتها الغالية يارا كمال حمادة، الّتي وافتها المنية أمس الخميس، إثر حادث دهس داميّ في تل أبيب. وكانت المرحومة تدرس في جامعة تل أبيب. وقد عُرفت المرحومة بحسن خلقها ودماثة أخلاقها، وإقبالها الإيجابي على الحياة. وكانت مُثابرة، مجتهدة إلى أبعد الحدود، فقد تمكنت من تحقيق معدّل عالٍ في امتحانات البجروت وحققت علامة مميزة جدًا في امتحان البسيخومتري فبلغت درجتها 782 وهي علامة شبه كاملة لا تتحقق كثيرًا. فكانت المرحومة الأولى في شفاعمرو ومنطقتها في التحصيل البسيخومتريّ. وبهذا قطعت يارا مرحلة هامة وخطوة عملاقة في طريقها لتحقيق حلمها في الالتحاق بكلية الطبّ. وتمكنت بعد ذلك من اجتياز كلّ ما تبقى من امتحانات تصنيف ومقابلات مضنية . وبدأت بدراسة التمريض لتهيئ نفسها للالتحاق بكلية الطب كي لا تخسر الوقت في الانتظار، فقد كانت المرحومة عملية في توجهاتها.

وتنتمي يارا لعائلة كريمة مكافحة تولي اهتمامًا خاصًا للعلم، فقد آمنت هذه العائلة أنّ العلمَ هو سلاح العصر، الّذي سيحقق الأهداف المنشودة. فوالد المرحومة هو الأستاذ كمال نعمة حمادة، المربيّ الفاضل الخلوق الّذي خرّج أجيالا عديدة من الطلاب الّذين يشهدون له بإخلاصه ومحبته وعلمه الواسع. ونحن نعرف كمال الإنسان والصديق. وهو الّذي يأسر الجميع بهدوئه الوقور. ونحن نشهد له بعمق تفكيره ونظرته الثاقبة وعلاقته الطيبة مع الجميع. فلسانه لا يلفظ إلّا الأدب والأخلاق فكيف لنا أن لا نحب هذا الرجل ونحترمه ونقدّره أحسن تقدير؟ وهو الّذي قطع شوطًا هائلًا من حياته في طلب العلم وتوسيع الآفاق، لينقلها إلى طلابه معلمًا ولزملائه مرشدًا كبيرًا لموضوع البيولوجيا. إنّه النموذج الطيّب للمعلّم الحقيقيّ في زمن ضاعت فيه المقاييس!. وإلى جانب كلّ ذلك فهو الأب الحنون الّذي أفنى جهودًا كبيرة من أجل عائلته وبناته، فشكّل القدوة الحسنة للأب العارف لواجباته العائلية رغم كلّ الضغوطات الّتي لا تنتهي.
وفي الجنازة ساد حزنٌ سرمديّ، رأينا دموع الرجال تنهمر، وسمعنا عبارات عزاءٍ لم تكن كفيلة بتخفيف حدّة الحزن من وجوه الحاضرين، رأينا أشخاصًا لم نرهم من قبل. وهذا ما قد يدلّ على حجم المُشاركة الكبيرة من خارج شفاعمرو وخاصة أصدقاء يارا ومعارف والدها وأعمامها.
ولم تتسع قاعة الوقف الإسلامي للجماهير المشيّعة، واقتصرت كلمات التأبين على كلمتين اثنتين. الأولى كانت لرئيس البلدية السيّد أمين عنبتاوي الّذي قال: "أنا أتحدث من منطلق عائلي وليس فقط كرئيس بلدية. لقد عرفت يارا منذ أيامها الأولى وأسابيعها الأولى وسنوات عمرها الأولى. لقد توقعتُ لها مستقبلًا زاهرًا ولكنّي لم أتوقع لها مثل هذه النهاية المأساوية. كانت يارا شابة رائعة من الناحية العلمية والأخلاقية وكانت شخصية قيادية جريئة وعريفة فذة. كانت زهرة فذوت في بستان هذا البلد الطيب. قلوبنا تعتصر ألمًا ونشعر بألم الوالدين والحمد لله الّذي لا يحمد على مكروه سواه. إنّها خسارة لكلّ من عرفها وخسارة لي ولعائلتي، وأنا أدعو الله أن يلهم أهلها الصبر والسلوان. وأنا أدعو كلّ شباب بلدنا للتحلي بصفات وخصال يارا". 
أمّا الكلمة الثانية فألقاها مدير المدرسة الأسقفية الأستاذ فاروق فرهود وقال فيها: "كل طلاب المدرسة اعتبروها أختًا لهم. وقد خصصت المدرسة يومًا خاصًا بيارا. ويارا بالنسبة لي ابنة، درستها 3 سنوات وكنت أستمتع بتدريسها .طالبة متميزة بذكائها وبفنّها وبقوة شخصيتها. لقد كانت شخصية قوية جدًا في كلّ المحافل. إنّها خسارة لكلّ الشفاعمريين لا بل لكلّ أبناء شعبنا في هذه البلاد".
وكان عمّ المرحومة الأستاذ المربي جلال حمادة قد نعى ابنة أخيه بكلمات مؤثرة عبر أثير إذاعة الشمس، وبلغت حدّة التأثّر ذروتها عندما بدأ أبو ربيع بتعداد خصالها ومآثرها، مؤكّدًا على أنّها شخصية تفرض محبتها على الجميع، وهذا ما يفسّر الحزن الشديد الّذي خيّم على مدينة شفاعمرو بأسرها. وكان الأستاذ جلال يتحدّث بنبرة حزينة تحمل في طيّاتها بذور الأحزان الّتي استوطنت في قلبه. 
هذه هي يارا، الفتاة الّتي أحبّها كلّ أهلِ بلدها. وهي الّتي برحيلها أكّدت أنّ شفاعمرو لا تزال عائلة واحدة بكلّ طوائفها ومركباتها الاجتماعية. وللأخ والصديق كمال نقول إنّ لله ما أعطى ولله ما أخذ، لقد كنت ولا زلت في نظرنا مثالًا للمربي الفاضل والأب الرائع الّذي لم يتوانَ يومًا عن تقديم كلّ ما يملك لبناته. ولوالدة المرحومة الأخت رنين، لا يسعنا إلّا أن نسأل الله لك الصبر وأن يكون في عونكِ في هذا المُصاب الجلل. وللعم أبو طلال الجدّ الّذي أحب أحفاده وخصّ يارا بعطفه الكبير نقول إنّ الله تعالى قد اختار لها هذا المصير ولا سبيل إلّا للتسليم لحكم القضاء، سائلين المولى أن يلهمك الصبر والإيمان والتسليم.
ونحن في أسرة الفجر ونيابة عن كلّ الشفاعمريين نتقدّم بتعازينا الصادقة لآل حمادة وأقربائهم وأنسبائهم في شفاعمرو وخارجها ونسأل الله أن يتغمّد فقيدة شفاعمرو بواسع رحمته وأن يسكنها فسيح جنانه ونسأله أن يلهم ذويها الصبر والسلوان.. إنّا لله وإنّا إليه راجعون
اضف تعليق
الاسم الشخصي :
البريد الالكتروني :
الموضوع :
التعليق :
حكمة اليوم
كلّما ازدادت ثقافة المرء ازداد بؤسه
جريدة الفجر الساطع
خبر في صورة