لنحلّق بالتعليم
21/2/2018 13:07

يعاني مجتمعنا العربيّ إجمالًا من مشكلتين أساسيتين وهما: العنف الّذي يطال معظم مجالات حياتنا، والسياسة العنصرية الرعناء الّتي تقودها الحكومة اليمينية. وقد أثبتت كلّ الأحداث والتجارب الّتي عشناها أن لا حلّ لنا في مواجهة هذه التحدّيات إلّا بالعلم والتعليم. لذلك فإنّ على قادة المجتمع العربيّ أن يواكبوا التغييرات الهائلة في مجال التربية والتعليم، وذلك من أجل توجيه الدفّة إلى ما يضمن رخاء وتقدّم مجتمعنا، وهذا ما يضمن الصمود والبقاء.

إنّ الأوضاع العامة في المدارس العربية لا تبشّر بالخير الكثير. وهذا الأمر مردّه لعوامل كثيرة، لن نخوض بها الآن. ولكنّ على الأهل أن يعرفوا أنّ التعليم الحديث يختلف اختلافًا كبيرًا عن التعليم الّذي كان في زمانهم. لأنّنا اليوم في عصر الحوسبة والتعليم عن بعد. فوزارة المعارف تسعى لرفع مستوى الطلاب في المهارات التفكيرية، وهذا الأمر لن نبلغه دون اللجوء إلى وسائل تكنولوجية متنوعة.

وتبدأ المدارس بتهيئة طلابها لمواجهة التحديات الحياتية منذ المرحلة الابتدائية، وذلك من خلال مهام محوسبة في كافة المواضيع. فكلّ طالبٍ يملك اسم مستخدم وكلمة سرّ. ويبقى أن يقوم المعلمون بتوجيه طلابهم إلى المهام المحوسبة الموجودة في عدد كبير من المواقع الداعمة. ولكنّ عددًا كبيرًا من الطلاب يخفقون في تنفيذ هذه المهامّ، كما أنّ معظم المعلمين يتذمرون منها ويحاولون تجنّبها، وهذه الحقيقة ستشكّل عائقًا جدّيًا أمام تقدمّ أولادنا.

على الأهل أن يتابعوا تقدّم أولادهم في مجال الحوسبة، وأن يزوروا موقع وزارة المعارف للتعرّف عن كثبٍ على آخر التطورات في مجال التعليم المحوسب. كما أنّ هناك مساحات للأهل في موقع الوزارة وفي مواقع المدارس. وقد علمنا أنّ نسبة الأهل الّذين يستخدمون موقع وزارة المعارف ضئيلة جدًا وهذا أمر لا يبشّر بخير.

إنّنا لا ننكر وجود تقدّم في المجال التعليميّ العالي. وهذا أمر إيجابيّ ولكنّه غير كافٍ. فعلينا أن لا نهتمّ بأعداد الطلاب الجامعيين بقدر اهتمامنا بمواضيع الدراسة. فالعرب لا يزالون يتحرّكون بخطًى بطيئة جدًا في المواضيع الهندسية. وهذه المواضيع هي الأعلى طلبًا في سوق العمل الإسرائيليّ.

ويتبيّن من معطيات جديدة تمّ نشرها في صحيفة TheMarker هذا الأسبوع أنّ نسبة الطلاب العرب الّذين يدرسون للقب الأكاديميّ الأول قد ارتفعت بـ- 58% بين السنوات 2010 و 2017- من 10.2% من مجمل الطلاب الجامعيين في البلاد إلى 16.1%. في نفس الفترة تمّت مضاعفة نسبة الطلاب العرب الّذين يدرسون للقب الثاني (الماجستير)، من 6.2% إلى 13% من مجمل الطلاب الجامعيين. أمّا نسبة الطلاب الّذين يدرسون للّقب الثالث (الدكتوراه) فقد ارتفعت بنسبة 60% من 3.9% إلى 6.3%.

مع ذلك فإنّ نسبة تمثيل المجتمع العربي في الأكاديمية الإسرائيلية لا تزال منخفضة جدًا بالمقارنة مع نسبة العرب من مجمل السكّان في البلاد (21%) حتّى أنّ النسبة ستبدو منخفضة أكثر لو تطرقنا إلى تركيب الأجيال في المجتمع العربي، لأنّ نسبة الشباب لدينا مرتفعة. مجالات التعليم الّتي تحقّق فيها التوازن بين نسبة العرب من مجمل السكان وبين نسبتهم في الحيّز التعليمي والمهني نجدها في التعليم والمواضيع الطبية.

وكانت هناك خطّة رسمية لدمج المجتمع العربي في الحياة الأكاديمية الإسرائيلية، وهذه الخطّة قد بدأت بمبادرة من لجنة التخطيط والميزانيات التابعة لمجلس التعليم العالي في عام 2012، ولكنّها طُبّقت بشكل عمليّ منذ العامّ 2015، وكانت واحدة من الخطط الّتي بادر إليها البروفسور مانويل تراختنبرغ .

ومن المعطيات المُثيرة الّتي نُشرت مؤخرًا تبيّن أنّه بين الأعوام 2012 و2016 تمّ تمويل خطّة لدمج العرب في التعليم العالي بميزانية بلغت 300 مليون شيكل. وقد قرّر مجلس التعليم العالي استمرار تطبيق هذه الخطّة لستّة أعوام أخرى مع زيادة في الميزانيات الّتي ستصل إلى 960 مليون شيكل. وهذه الخطّة بدأت تطبّق فعليًا في عدد من المدارس الثانوية العربية، وهي ترافق الطلاب منذ الكشف عن قدراتهم التفكيرية وحتّى دمجهم في التعليم العالي، وخلال التحضيرات ودورة البسيخومتري وخلال دراستهم للقب الجامعيّ الأوّل. وخلال كلّ هذه الفترة يحصل الطلاب على منح دراسية كبيرة.

وفي هذا الإطار فإنّنا نسأل: أين حصّة مدارس شفاعمرو من هذه الخطّة؟ ولماذا لم نسمع عنها إلّا من خلال الصحف العبرية؟ أسئلة كثيرة تتوارد إلى الأذهان! وإن كنّا نحن نملك الإجابات كلّها إلّا أنّنا نطالب المدير العامّ للبلدية و قسم المعارف بالإجابة عنها. ونحن نعرف أنّ عددًا لا بأس به من مدارس عربية قريبة قد بدأت فعلًا بتبنّي هذه الخطّة الداعمة، بينما يُحرم طلاب شفاعمرو منها. وكنّا في الفجر الساطع قد أثرنا في أكثر من مُناسبة المشاكل الّتي يعاني منها طلاب مدارس شفاعمرو في رحلة "العذاب" إلى الجامعة. وقد أثبتت كلّ الأبحاث أنّ التحضير المُسبق لطلاب المرحلة الثانوية من شأنه أن يفتح كلّ الأبواب المغلقة أمامهم في حياتهم الأكاديمية. ولكن ما يتمّ على أرض الواقع يتمثّل بمبادرات خجولة من الاستاذ أشرف جبّور وبعض النشطاء المحليين في مجال التوجيه الدراسي.

لقد قلنا في أكثر من مُناسبة إنّ مدارس شفاعمرو لا يمكنها أن تنافس المدارس العربية الرائدة في أيّ شيء، لأنّها تُعاني من نواقص أساسية كثيرة، ولعلّنا لم ننسَ بعد أزمة النظافة في الشاملة "ج" فبدلًا من أن نناقش مسألة التخصصات الرائدة فإنّنا نناقش  النواقص الأساسية في مدارسنا الثانوية . ومن بين هذه النواقص نذكر النقص الحادّ في الحواسيب. فلمن لا يعلم فإنّ التعليم الحديث وفق خطّة الإصلاح يتطلب وجود أعدادٍ كافية من الحواسيب. وعند فحصنا لهذا الموضوع في إحدى المدارس، تبيّن أنّها تمتلك 13 حاسوبًا صالحًا! تخيّلوا أيّها الإخوة والأخوات، 13 حاسوبًا لمئات الطلاب. والأدهى من كلّ ذلك أنّه قد تمّ اختيار هذه المدرسة لتشارك في امتحانات البيزا الدولية، ممّا يتطلّب من الطلاب التمرّن لساعات طويلة على الأسئلة المحوسبة.

لا نستطيع القول اليوم إنّ مدارسنا الثانوية في شفاعمرو قادرة على تهيئة طلابنا للدراسة الأكاديمية في جامعات البلاد، وهذه الحقيقة هي الّتي تفسّر هذه الأعداد الكبيرة من طلابنا الّذين يلتحقون بالدراسة في خارج البلاد أو جنين والأردن. إنّ مدارسنا تُعاني الأمرين من سياسة تعليمية خاطئة. ونحن لا نلقي اللوم على شخص، ونقولها بأمانة كاملة إنّنا لا نحمّل الرئيس ولا المدير العامّ كلّ المسؤولية على هذا الوضع. فهذه الأوضاع قائمة منذ حوالي عقدين من الزمان. ولكنّنا كنّا نتوقّع منهما أن ينهضا بالجهاز التعليميّ "المريض" في بلدنا لأنّهما بالأساس رجلا تربية وتعليم. ومع ذلك فإنّنا نعود ونطالب بتشكيل لجنة متابعة شفاعمرية خاصة بالشؤون التعليمية. لأنّه لا تزال هناك فرص سانحة لإصلاح الأمر والعودة بشفاعمرو إلى مكانتها الحقيقية.

عندما نتابع المعطيات التحصيلية لمدارس شفاعمرو فإنّنا نعي أنّ هذه الأرقام، لا تعكس الصورة الحقيقية لطلبة شفاعمرو. فالمتابعون الموضوعيون- ونحن نسأل الله أن نكون منهم- يدركون أنّ أعلى نسبة تفوّق في المدارس الأهلية والخاصة المحيطة بشفاعمرو يحققها طلاب شفاعمريون. وأكبر دليل على ذلك ما يحققه أبناؤنا من نتائج طيبة في امتحانات البسيخومتري حتّى وإن لم يتعلموا في مدارسنا الشاملة.

 

يجب أن نضاعف الاستثمارات في جهاز التربية والتعليم، فنحن لسنا أقلّ مكانة من القرى المحيطة بنا. هذا هو مطلب الساعة، والكرة في ملعب المسؤولين الكبار!

اضف تعليق
الاسم الشخصي :
البريد الالكتروني :
الموضوع :
التعليق :
حكمة اليوم
كلّما ازدادت ثقافة المرء ازداد بؤسه
جريدة الفجر الساطع
خبر في صورة